الحمدُ لله الذي حفظ القرآن العظيمَ بحفظه، فقال تبارك اسمُه: * ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . * ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . والحمدُ لله الذي جَعَلَ من عصمة الكتاب عصمةً لِبيانِ الكتاب، وهو السنةُ المُطَهْرَةُ، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فإِنَّما كان بيانُ السنة للكتاب وحيًا من الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ َقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ . والصلاةُ والسلامُ على الرحمةِ المهداةِ، والنعمةِ المُسْداةِ، إمام الأنبياءِ والمرسلين وخاتَمِهِم الذي أَخرج الله به الناسَ مِن الظلمات إلى النورِ، وأَكْمَلَ به الدينَ، وأَتَمَّ به النِّعمة، وأَقامَ به الحُجَّةَ العلميةَ بالبرهان، والحجة العملية بالقدوةِ، سَيِّدِنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَنْ تَبعهم بإحسانٍ. أَمَّا بعدُ، فلم يَكُنِ الله - تعالى - لِيَتْرُكَ الناسَ سُدىً، وهو الحكيمُ العليمُ، الرحيمُ الودودُ: * ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ . * ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ . * ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ . وَمِن رحمته - تعالى - بالعبادِ أَن أرسلَ إليهم أَنبياءَ ورسلًا، بالهدى ودينِ الحَقِّ منذ البدء: * ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . ولقد اطَّرَدَ هَدْيُ السَّماءِ في الموكب البشري: * ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . الكتاب العظيم: ثم ابتعث اللهُ - على فترةٍ من الرُّسُلِ - أعظم المُرْسَلِينَ بأَعظمِ كِتابٍ: * ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ﴾ . * ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ . * ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ . * ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ . * ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . * ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ . * ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ . الرسول العظيم: ولا يحمل الكتابَ العظيمَ إلا الرسولُ العَظِيمُ: * ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ . فلم يمش على الأَرْضِ إِنسانٌ أَكْرَمُ على الله، وأَتقى لَه، وأَبرّ بخَلْقِه مِنَ النَّبيِّ محمَّدٍ ﷺ. * ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . * ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا. وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ . * ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . * ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . المسؤولية الأولى: تلاوة القرآن: ولقد أَدَّى الرسولُ ﷺ الأَمَانَةَ، وتحَمَّلَ المسؤوليةَ. ومِنَ الأَمانَةِ والمسؤوليةِ تلاوةُ آياتِ الكتابِ المُبِينِ على الناسِ: * ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . * ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ . * ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . * ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ . * ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . استنان السنة: وابتعث الله الرسولَ ﷺ، وأَوحَى إليه أنْ يعَلِّمَ الناسَ الكِتَابَ، ويُبين لهم ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهم: * ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . * ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . ومِنَ البيان والتعليم: تعليمُ الناسِ كيفياتِ الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، والحلالِ والحرام في البيوعِ والمطاعمِ والمشاربِ والمناكح.. وغيرِ ذلك مما بيَّنَتهُ السُّنَّةُ، وعلَّمته للناس. قال الإمامُ الشافعيُّ - ﵀ - في " الرسالة "..: " قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ . وقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ . فأتى كتابُ الله على البيانِ في الوضوءِ دونَ الاستنجاءِ بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة. ثم كان أقل غسلِ الوجه والأعضاء مرةً مرةً، واحتمل ما هو أكثرُ منها، فَبَينَ رسولُ الله ﷺ الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثًا، ودَلَّ على أن أقلَّ غسل الأعضاءِ يُجزئ، وأن أقلَّ عدد الغسلِ واحدة، وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيارٌ. ودلّت السنةُ على أنه يُجزئ في الاستنجاءِ ثلاثةُ أحجار، ودلَّ النبيُّ على ما يكونُ منه الوضوء، وما يكونُ منه الغُسْلُ، ودلَّ على أنَّ الكعبين والمِرفقين مما يغسل، لأَنَّ الآية تحتملُ أن يكونا حَدَّيْن للغَسل، وأن يكونا داخلين في الغَسل، ولما قال رسول الله: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " دَلَّ على أنَّه غَسْلٌ لا مسحٌ ". ثم ذكر الشافعي آياتِ الصلاة والحج والعُمرة، وقال: " بَيَّنَ الله على لِسان رسولِه عَدَدَ ما فَرض مِن الصَّلواتِ ومواقيتها وسننها، وعددَ الزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة، وحيث يزولُ هذا ويثبت، وتختلف سُنَنُهُ وتتَّفقُ ولهذا أشباه كثيرةٌ في القُرآن والسنة ". سنة التزكية بالقدوة: وابتعث الله تعالى رسولَه ﷺ ليزكي النفوسَ والمسالكَ بالقُدوة الحيَّةِ الماثلة المجلوة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . والتزكيةُ بالقدوة هي السنةُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . سنة تعليم الحكمة: وابتعَث الله تعالى نبيَّه ﷺ لِيُعَلِّمَ الناسَ الحِكمة: * ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . * ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ . * ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُُُُُُُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . * ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ . * ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكْمَةِ﴾ . والحكمة: هي السُّنَّةُ. قال الشافعي - ﵀ -: " فذكر الله الكتابَ وهو القرآنُ، وذَكَرَ الحِكمةَ، فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِن أهل العلم بالقُرآن يقول: الحِكمة: سنةُ رسولِ الله ". وقال ابنُ كثير - ﵀ -: " وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ﴾ يعني القرآنَ. ﴿وَالحِكْمَةَ﴾ يعني السنة، قاله الحسنُ وقتادة ومقاتلُ بنُ حيان وأبو مالك ". لا إسلامَ بِغيرِ السُّنَّةِ: إن أَمرَ السنةِ المطهرةِ جِدُّ عَظيم. ولا يُتَصوَّرُ إسلامٌ بلا سنة، ولا يُفهم إِسلام بِلا سُنَّة، ولا يُقبل إسلام بلا سنة. لقد قال رسولُ الله ﷺ: " أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثلَهُ مَعَهُ ". هذا المِثْلُ هو: السنةُ الشريفة بشُعَبِها جميعًا: القول والفِعل والتقرير. لا جرَم أن الله - تَقَدَّس اسمُه - أَلزَمَ المؤمنينَ باتباعِ سنة الرسول ﷺ، يقول الله تعالى: * ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ . * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ . * ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . * ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . * ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ . * ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . * ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . * ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . * ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ . * ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . * ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ . السنة ميزان الأعمال والأقوال: ويعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ: أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبٌ لِصحة العمل، والعملُ بها واجب، يقولُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ . ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّدًا، هلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . يقول ابن القيّم - ﵀ - في " زاد المعاد ".. " والمقصودُ أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنُّصرةُ، كما إن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ والفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته، وجعل شقاوةَ الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمنُ، والفلاحُ والعزّةُ، والكفايةُ والنُّصرةُ، والولاية والتأييدُ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلةُ والصِّغارُ والخوفُ والضلالُ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة، وقد أَقسم ﷺ بأن لا يُؤْمِن أَحَدُكُم حتى يَكُونَ هو أَحبَّ إليه مِن ولدِهِ ووالدِهِ والناسِ أَجمعين، وأَقْسَمَ الله سبحانه بأن لا يؤمن من لا يُحكِّمُه في كل ما تنازع فيه هو وغيرُه، ثم يرضى بحكمه، ولا يجدُ في نفسه حرجًا مما حكم به، ثم يُسَلِّمُ له تسليمًا، وينقادُ له انقيادًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَقَطَع ﷾ التَّخييرَ بعد أمره وأمرِ رسولِهِ، فليس لمؤمنٍ أن يختارَ شيئًا بعد أمره ﷺ، بل إذا أَمرَ فأمرُه حتم، وإنما الخِيَرَةُ في قولِ غيره إذا خَفي أَمْرُهُ، وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيره سائغَ الاتباع، لا واجبَ الاتباع، فلا يجب على أحدٍ أتباعُ قولِ أحدٍ سواه، بل غايتُه أنه يسوغُ له اتباعُه، ولو تَرَكَ الأخْذَ بقول غيره، لم يكن عاصيًا لله ورسولِه، فأَينَ هذا ممن يَجِبُ على جمِيعِ المكلَّفينَ اتِّباعُه، ويَحْرُمُ عليهم مخالفته، ويجبُ عليهم تركُ كُلِّ قول لِقوله، فلا حُكْمَ لأحدٍ معه، ولا قولَ لأحدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحدٍ معه، وكل مَنْ سواه، فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكانَ مُبَلِّغًا محضًا، ومخْبرًا لا مُنْشِئًا ومُؤسِّسًا، فمن أَنْشأَ أَقوالًا وأَسَّسَ قواعِدَ بحسب فهمِه وتأويلِه، لم يجب على الأُمَّةِ اتِّباعُها، ولا التحاكمُ إليها حتى تُعرض على ما جاءَ بهِ الرَّسولُ، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قُبِلَتْ حِينئذٍ، وإن خالفته وجب ردُّها واطِّرَاحُهَا ". الإمام المُحبُّ للسنة المُدافع عن حماها: إنَّ سَنَا الحَقِّ مُتأَلِّقٌ يَراهُ كُلُّ ذِي عينين، ولكن هناك من يتجافى عن السعادة، فيغلق عينيه دونَ النور. لقد أرجف أقوامٌ حول السنة بأراجيفَ كثيرة. ومن نبوءات الرسولِ ودلائلِ إعجازِهِ أَنَّه ﷺ حَذَّرَ من هؤلاءِ المُرْجِفينَ الَّذينَ سَيأْتُونَ مِن بعد، فقال: " يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ منكم على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثي فيقول: بَيني وبينَكُم كِتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمناه، وإنَّ ما حَرَّمَ رسولُ الله كما حرَّمَ الله ". ألا إنَّ السُّنة محفوظةٌ بحِفْظِ الله. ومن دلائل حفظه - سبحانه - لسنة نبيه: أنه انتدبَ رجالًا يذودون عن السنة ذَوْدَ الكريمِ العزيز عن حوضه، ويَرُدُّون عنها رَدَّ الغيور يد الجاني عن الحرم. ومن هؤلاء الأَئمَّةِ الأَعلام: الإمامُ أَحْمد بن محمد بن حنبل الشيباني. فقد كان - بحق - رجلَ السُّنَّة، وإمامَ أهل السنة والجماعة في عصره. يقول عنه موفق الدين ابنُ قدامة المقدسي - ﵀ - في كتابه " المغني ": " فإنَّ الله برحمته وطَوْلِه، وقوَّتِه وحَوْلِه، ضَمِنَ بقاءَ طائفة من هذه الأُمَّة على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلهم حتى يأتيَ أَمْرُ الله وهم على ذلك، وجعل السببَ في بقائهم بقاءَ عُلمائهم، واقتداءَهم بأَئِمَّتِهم وفُقهَائِهم، وجعل هذه الأُمَّة مع عُلمائِها، كالأُمم الخالية مع أنبيائِها، وأظهرَ في كُلِّ طبقةٍ من فقهائها أئمةً يُقتدى بها، وينتهى إلى رَأْيها، وجعل في سلف هذه الأُمة أئمةً من الأَعلام، مهّد بهم قواعِدَ الإِسلام، وأَوضَحَ بهم مشكلاتِ الأَحكام، اتِّفَاقُهُم حُجَّةٌ قَاطِعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، تحيا القلوبُ بأَخبارِهم، وتحصلُ السعادة باقتفاءِ آثارِهم، ثم اختصَّ منهم نفرًا أَعلى أَقدارَهم ومناصبَهم، وأَبقى ذكرهم ومذاهبَهم، فعلى أقوالهم مدارُ الأحكام، وبمذاهبهم يُفتي فُقهاءُ الإسلام. وكان إمامُنَا " أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ " مِن أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلةً، وأتبعهم لِرسول الله ﷺ، وأعلمهم به ". وقال عنه الإمام الشافعي - ﵀ -: " أحمدُ ابن حنبل إمامٌ في خصالٍ كثيرةٍ: إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفِقْه، إمامٌ في القُرآنِ، إِمامٌ في الزُّهْد، أمامٌ في الوَرَعِ، إمامٌ في السُّنَّةِ ". ومن تعظيِم الِإمام أحمد للسنةِ: * ما أورده الإمامُ ابنُ تيمية - ﵀ - في " الصارم المسلول " إذ قال: " قال الإمامُ أحمد في رواية الفضل بنِ زياد: نظرتُ في المصحف، فوجدتُ طاعةَ الرسولِ ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية، وجعل يُكررها ويقولُ: وما الفتنةُ؟ الشرك، لعله إذا رَدَّ بعضَ قولِهِ أَن يَقَعَ في قلبه شيء من الزيغِ، فيزيغ قلبُه فيهلِكه وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ . * ما ذكره ابن الجوزي - ﵀ - في " مناقب الإِمام أحمد ابن حنبل " إذ قال: " سمعتُ عبدَ الملك الميموني يقول: ما رأت عيناي أفضلَ مِن أحمد ابنِ حنبل، وما رأيتُ أحدًا من المحدثين أَشدَّ تعظيمًا لِحرمات الله ﷿ وسنَّةِ نبيه ﷺ إِذا صحت عنده، ولا أشدَّ اتِّباعًا منه ". وذكر - أي ابن الجوزي - عن أبي بكر الأثرم، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد ابن حنبل يقول: إنما هو السنةُ والاتباعُ، وإنما القياسُ أن تَقيسَ على أصلٍ، أما أن تجيءَ إلى الأصل فتهدمه، ثم تقول: هذا قياس، فعلى أي شيء كان هذا القياس؟ . ونقل أيضًا عن صالح بنِ أحمد ابنِ حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: " مَنْ عَظَّمَ أصحابَ الحديثِ تَعَظَّمَ في عينِ رسولِ الله، ومن حَقَّرَهُمْ سَقَطَ مِن عين رسولِ الله، لأن أصحَابَ الحديث أحبارُ رسولِ الله ﷺ ". * ما ذكره ابن القيم - ﵀ - في " أَعلام الموقعين " إذ نقل عن الإِمام أحمد قوله - من كتابه: " طاعة الرسول " -: " إن الله جلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤُه بَعَثَ محمدًا بالهدى ودينِ الحق لِيُظهره على الدِّين كُلِّه ولو كره المشركون، وأنزلَ عليه كتابه فيه الهدى والنورُ لمن اتبعه، وجعل رسولَه الدَّالَّ على ما أراد، مِن ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسِخهِ ومَنسُوخِهِ، وما قَصَدَ له الكتاب، فكان رسولُ الله ﷺ هو المُعَبِّرَ عن كتاب الله، الدالِّ على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضَاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلُوا عنه، فكانوا هم أعلمَ الناسِ برسول الله ﷺ، وبما أراد الله مِن كتابه بمشاهدتهم وما قَصَدَ له الكتاب، فكانوا هُمُ المعبرين عن ذلك بعدَ رسولِ الله ﷺ، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه يَنْزِلُ القرآن، وهو يعرفُ تأويله، وما عَمِلَ به من شيء عملنا به ". المدرسة المتكاملة: إن الإمامَ أحمد ابن حنبل مدرسةٌ متكاملةٌ في منهجِ الاعتقادِ، والحديثِ، والاجتهادِ، والفقه. وقِوامُ هذا المنهج: التمسكُ بالسنة، والمشي في خطى الرسولِ ﷺ. وينبغي فتق الوعي - هاهنا - على حقيقتين عظيمتين: الأولى هي: أنه قد تخرَّجَ في مدرسة الإمامِ أحمد ابن حنبل أئمةٌ أعلام، منهم: الخِرقي، وابنُ قُدامة المقدسي، وابنُ رجب الحنبلي، وابنُ الجوزي، وأبو يعلى، وابنُ تيمية، وابنُ القيّم وغيرهم ممن اغترفوا من مَعين الإمام أحمد، وأضافوا إليه من جهودهم المباركة، واجتهاداتهم السديدة ما أثرى المذهبَ الحنبلي، ورفده بنفائسَ علمية عالية القيمة والقدر في مختلفِ فنونِ علوم الإسلام. الحقيقة الثانية هي: أن هؤلاء الرجالَ الأفذاذَ الفحولَ، لزموا غَرْزَ السنة، واتبعوا مستنها ﷺ، فما منهم إلا صاحب سنة فيما يأتي، وفيما يَذَرُ. ولا غرو، فمذهبُ الإمام أحمد مبني على السنة. يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية - في التمذهب من أصول الفقه -: " ومَن كان خبيرًا بأصولِ أحمد ونصوصِه، عرف الراجح في مذهبه في عامّة المسائل، وإن كان له بَصَرٌ بالأدلة الشرعية، عرف الراجحَ في الشرع، وأحمد كان أعلمَ مِنْ غيره بالكتاب والسنة وأقوالِ الصحابةِ والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يَكَادُ يوجد له قول يُخالف نصًا كما يُوجد لِغيره، ولا يوجد له قولٌ ضعيف في الغالب إلا وفي المذهب قول يُوافق القولَ الأقوى. وأكثرُ مفاريده التي لم يختلِفْ فيها مذهبُه يكونُ قوله فيها راجحًا، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عندَ الحاجة، كالوصية في السفر، وقولِه بتحريمِ نكاح الزانية حتى تتوبَ، وقولِه بجوازِ شهادةِ العبد، وقولِه بأن السنةَ للمتيمم أن يمسح الكُوعين بضربةٍ واحدةٍ، وقوله في المستحاضة بأنها تارةً ترجِعُ إلى العادة، وتارةً ترجع إلى التمييز، وتارةً ترجع إلى غالب عادات النساء، فإنه روي عن النبي ﷺ فيها ثلاث سنن، عمل بالثلاث أحمد دون غيره ". مسند الإمام أحمد: إن الرجالَ الكبارَ العلماءَ المخبتين لا تُطِيقُ ضمائِرُهُم الانفصالَ بَيْنَ أقوالِهِم وأعمالِهم، بل إنَّ شأْنَهم الراسخَ المطرد: أنهم إذا قالوا قولًا، صَدَّقوه بالعمل. ولقد جَهَرَ الإمامُ أحمد بالمحافظة على السنة، فقرن ذلك بالعزم على حفظ السنة. وتَجَلَّى هذا العزمُ الصدوق في موسوعته الضخمة " المسند ". كان حافزُ الإمام وحاديه إلى جمع " المسند " هو: الحفاظَ على الأحاديثِ والآثارِ لأنه يعلم - ﵀ - أن النبيَّ ﷺ أُوتي القرآنَ ومثلَه معهُ. والمحافظةُ على " الأحاديث " إنما هي محافظة على هذا " المِثْلِ ". ولن نُطِيلَ في الحديثِ عن المسند. وما حملنا على العدولِ عن بسطِ الحديثِ عنه إلا ما بذله الإخوة المحققون والمعنيون بتوثيق هذه الطبعة من " المسند " من عمل ملموسٍ في وصفِ المسند وصفًا مفصلًا لا مزيدَ عليه. فالمادةُ الوصفية واحدة تقريبًا. وليس من الجهد المفيد: التكرارُ لِذات التكرار. بيدَ أنني قد اطلعتُ على ما أعجبني وسرّني، ومن ذلك: ١- الجهدُ التوثيقيُّ الجديد للمسند: فقد حصل أن توافر لهؤلاء الإِخوة المحققين لهذه الطبعة الجديدة نُسَخ خطية جديدة اعتمدوا عليها. يقول المحققون: " اعتمدنا في تحقيقنا للمسند على عدة نسخ خطية، حصلنا على صور عنها من دمشق والقاهرة وبغداد والموصل واستنبول والرياض، منها ما هو كاملٌ لا نقص فيه، ومنها ما وقع فيه بعض النقص، أو كان قطعة من المسند ". ٢- توثيقُ النص بمقابلة المطبوع بالأصول الخطية المتوافرة مع تثبيتِ الفروق وتجليتها. ٣- ضبطُ النصِّ ضبطًا يكاد يقترب من التمام، وضبط ما يُشكل مِن أسماء الرواة. ٤- التنبيهُ على بعض المآخذ على الطبعتين السابقتين. ٥- تقويمُ الأَسانيد والحُكم عليها، وتخريجها. ٦- الترتيب الفني الحسن - والداني القطوف - للمسند، وهو ترتيبٌ يُيَسِّر مهمةَ الذين يرجعون إلى المسند ليأخذوا منه ما يبتغون. * * * إنَّ من فضل الله - وهو ذو الفضل العظيم -: أنه - سبحانه وتعالى - يُقيّض للسنة في كُلِّ عصرٍ من يخدمها، ويُجَلِّي كنوزها. وفي هذا العصر، يسر - جل شأنه - رجالًا علماء أمناء لِخدمة سنة رسوله ﷺ. ومن هؤلاء الِإخوة: العاملون في تحقيق هذا المسند: الشيخ شعيب الأرنؤوط، والشيخ محمد نعيم العرقسوسي، والمتعاونون معهما. إنَّ الجهد العظيم الصالح الذي قام به هؤلاء لخليقٌ بالتنويه والثناءِ والتقدير. فأيُّ جهدٍ أعظمُ من جهد خدمة السنة النبوية المطهرة؟ وأيُّ عملٍ أولى بالتقدير والتنويه من هذا العمل؟ ثم زاد هذا الجهدَ إتقانًا وكمالًا ما قام به الأخوان الفاضلان: الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة. والأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم. الأستاذان في كلية أصول الدين بجامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، حيث تَفَضَّلا فراجعا ما قام به الإِخوة المحققون - في المجلد الأول - وجلسا معهم جلسات علمية نافعة، وقَدَّما ملحوظات مهمة استفاد المحققون من بعضها مما اقتنعوا به، وكانت لهم وجهة نظر مغايرة في بعضها فلم يأخذوا بها، منها ما يَرجِعُ إلى منهج التحقيق، ومنها ما يرجع إلى التحقيق نفسه، كما أبديا استعدادَهما للاستمرار في مراجعة بقية الكتاب، فجزاهما الله خيرًا، وأحسن مثوبتهما. وما أحسنَ أن يتعاون العلماءُ في هذا المجال، وأن يستفيد بعضهم من بعض، ويكمل بعضُهم البعض، فالحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها. ومن حسنات مؤسسة الرسالة أن توسعَ عملها في الاتصال بالعلماء والمؤسسات العلمية في مختلف أنحاءِ العالم لتستفيد منهم وتتعاون معهم، وتضم جُهودَهم إلى جهود منسوبيها، فهذا أمر تُحْمَدُ عليه، وهو مظهر حضاري ينبغي أن يُشَجَّع، حتى لا تَسْتأثر الجهود الفردية بالأعمال الكبيرة - وهي عُرضة للخطأ والقصور -. نسأل الله تعالى أن يجزيَ هؤلاء الإِخوة جميعًا بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين لسان صدقٍ في الآخرين، وسعادة في الدنيا والآخرة. * * * وحينما عَرَضَ عليَّ الأخ الفاضل رضوان بن إبراهيم دعبول، صاحب مؤسسة الرسالة عَزْمَ المؤسسة على إصدار الموسوعة الحديثية الكبرى، بَدْءًا بمسند الإِمام أحمد ابن حنبل - ﵀ - ورغبته في أن أُشرِفَ على هذا العمل الضخم، فكرت كثيرًا في استفادة طلاب العلم منه، وتسهيل نشره بينهم، والصعوبات التي تواجه هذا العمل الكبير، ولكن من توفيق الله وتيسيره لخدمة سنة رسول الله ﷺ أنه بمجرد أن بَلَغَ مسامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله ووفقه - الاستعداد لهذا العمل والبدء فيه حتى سُرَّ بهِ ووجَّهَ بتشجيعه وتوزيعه على نفقته ابتغاء خدمة السنة، ونشر العلم الشرعي، ونفع طلاب العلم بنفائس السنة الشريفة. فنسأَلُ الله جلَّ ثناؤُه أن يجزيَ خادمَ الحَرَمَيْنِ الشريفَيْنِ عن الإِسلام وأمته، والعلم وأهلِه، بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين: علوًا في المقامِ، وإمامةً للمتقين وقرةَ عينٍ في الدنيا، وثوابًا في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ . ولئن عَزَّزَ خادمُ الحرمين الشريفين مكانة العلمِ والعلماء، فإنما يَنْبَعِثُ إلى ذلك من: * قيامه على الدولةِ الإِسلامية، فمن المعروف أنَّ من وظائف الدولة الإسلامية - ومن دلائل وفائها للإسلام -: نشرَ العلمِ، وتيسير سبله أمامَ طلابه. * اقتدائِه بوالده، الملكِ عبدِ العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - ﵀ -. فقد كان - ﵀ - كثيرَ الاحتفاءِ بالعلماء، قويَّ الحرصِ على نشرِ العلومِ الشرعية. أجل، فإنَّ هذه الأُمة تقومُ على العلم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . * * * وخليقٌ بنا أن نزجي الشكر الجزيلَ إلى " مؤسسة الرسالة " وصاحبها الأخ الأستاذ رضوان بن إبراهيم دعبول على ما قامت به من عملٍ صالح، ومبادرةٍ سديدةٍ في طبع " المسند " في ثوب جديد، وفي مضمونٍ مُوَثَّقٍ، فهذا عملٌ عظيم يضاف إلى أعمال المؤسسة العظيمة السابقة في مجال نَشْر الفكر الإسلامي الأصيل، وما أسهمت به في الدعوة إلى الله، والتعاون مع العلماء والدعاة. سيظلُّ نشرُ التراث الإِسلامي الغالي الجوهر، وظيفةً رئيسةً من وظائفِ دور النشر الإسلامية. إن خيرَ ما ورثناه عن السلف الصالح هو: الثروةُ العلمية، وهي ثروةٌ لا تُضاهيها ثروةُ أيَّةِ أمَّةٍ أخرى. بَيْدَ أنَّ هذه الثروة تحتاجُ إلى مزيدٍ من جهودِ الاستخراجِ والإِحياء والتيسير. ومما يزيدُ النفسَ غبطةً أن الإِخراجَ الجديدَ لمسند الإمام أحمد ابن حنبل، إنما هو " باكورةُ " إنتاجٍ طويلٍ عزمت " مؤسسةُ الرسالة " على إصدارِه تِباعًا، ينتظِمُ كُتُبَ السنة كُلَّها، ما طُبِعَ منها وما لم يُطْبَعْ. والحمدُ لله الذي بعونه وفضله يصلح الغرسُ الأول. والحمدُ لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصَّالِحاتُ. الرياض في ٢٨ / ٣ / ١٤١٣هـ عبد الله بن عبد المحسن التركي بسم الله الرحمن الرحيم