الباب الأول التعريف بالإمام عبد الرزاق اسمه وكنيته ونسبه: هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم اليماني الصنعاني، كنيته: أبو بكر (١). مولى حمير (٢)، وقال ابن معين: "هو مولى لمولى قوم من العرب" (٣). وسئل عبد الرزاق عن نسبه فقال: "كان جدنا نافع وأخت له مملوكَيْن لعبد اللَّه بن عباس، فاشتراهما ابن مغيث فاتخذ الجارية لنفسه وأعتق جدنا نافعًا، فنحن مواليه ولاء عتاقة" (٤). وغلبت عليه نسبة الصنعاني وهي نسبة إلى مدينة صنعاء، وهي من أشهر مدن اليمن، وزادوا النون في النسبة إليها على غير القياس (٥). وينقل ابن عساكر عن الإمام أحمد أنه قال: "عبد الرزاق يماني من الأبناء" (٦)، قال الفراء: "الأبناء قوم آباؤهم من الفرس، وأمهاتهم من اليمن، سُمُّوا بالأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم" (٧). (^١) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ١٠٧). (^٢) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠). (^٣) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ٩٩). (^٤) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٦٨). (^٥) ينظر: "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٣٠، ٣٣١)، "معجم البلدان" لياقوت الحموي (٣/ ٤٢٥، ٤٢٦). (^٦) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٦٧). (^٧) "الزاهر في معاني كلمات الناس" لأبي بكر الأنباري (٢/ ١٦٥). وينظر: "الثقات" لابن حبان (٧/ ٤٤٠)، "الأنساب" للسمعاني (١/ ١٠٠). مولده ونشأته: ولد الإمام عبد الرزاق سنة ست وعشرين ومائة (١٢٦ هـ)، كما أخبر هو عن نفسه (١). ونشأ في كنف أسرة يغلب على أهلها العلم والزهد: فوالده: همام بن نافع الحميري الصنعاني ممن عاصر صغار التابعين، وسمع من وهب بن منبه، وعكرمة مولى ابن عباس (٢)، قال ابن حبان عنه: "مِن خيار أهل اليمن وعُبَّادهم، حج ستين حجة، وكان ظاهر العبادة" (٣). وعمه: هو وهب بن نافع، روى عن عكرمة (٤). وأخوه: هو عبد الوهاب بن همام، من أهل الحديث (٥). طلبه للعلم ورحلاته العلمية: طلب الإمام عبد الرزاق العلم وهو ابن عشرين سنة، كما ذكر الذهبي ﵀ (٦)، ولم نقف على هذا الخبر عند غيره، فلعله تاريخ تقريبي، وإنما اعتمد الحافظ الذهبي على قول الإمام عبد الرزاق: "جالست معمر بن راشد سبع سنين" (٦)، وأن معمرًا توفي سنة (١٥٤ هـ) وليس ذلك بمقطوع به؛ فقد ورد ما يدل على أن طلبه للعلم كان قبل ذلك: فعن هشام بن يوسف - وهو أحد أقران الإمام عبد الرزاق (٧): "كان لعبد الرزاق حين قدم ابن جريج اليمن ثماني عشرة سنة" (٨)، وقد سبق أن الإمام عبد الرزاق ولد سنة ست وعشرين ومائة، فهذا يعني أنه سمع من ابن جريج سنة ١٤٤ هـ. (^١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٣). (^٢) "تهذيب الكمال" (٣٠/ ٣٠٠). (^٣) "مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان (ص ٣٠٦). (^٤) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ١٠٣)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٩/ ٢٤). (^٥) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥١٤). (^٦) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٠٩). (^٧) "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٥٨٠). (^٨) "التاريخ الكبير - السفر الثالث" لابن أبي خيثمة (١/ ٣٣٠)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٢٣١). ونقل ابن أبي حاتم عن الإمام عبد الرزاق قوله: "جالسنا معمرًا تمام سبع سنين أو ثمان" (١)؛ وعبارة الفسوي: "قال عبد الرزاق: جالست معمرًا ما بين الثمان إلى التسع" (٢)، وذكر غيره أنه جالسه تسع سنين (٣). فإذا عرفنا أن وفاة معمر وقع فيها خلاف؛ فأقل ما قيل فيها: سنة ١٥٠ هـ، وأقصى ما قيل فيها: سنة ١٥٤ هـ، وإذا اعتبرنا الخلاف في المدة التي مكثها الإمام عبد الرزاق مع معمر، ثم لاحظنا الخلاف في سنة وفاة معمر - فيمكننا أن نقول: إن عُمْرَ الإمام عبد الرزاق كان بين (١٥) سنة و(٢١) سنة حين سمع من معمر. وأما عن رحلاته: فقد قال ابن عساكر: "قدم الشام تاجرًا وسمع بها" (٤)، وقال الذهبي: "وقدم الشام بتجارة فحج" (٥)، وذكر الذهبي في موضع آخر أنه ارتحل إلى الحجاز والشام والعراق، وسافر في تجارة (٦). هذا، وقد قال مغلطاي في "الإكمال": "وفي "تاريخ المنتجيلي": لم يكن له سفرة قط" (٧). شيوخ الإمام عبد الرزاق: أورد المزي (٨) من روى عنهم الإمام عبد الرزاق فبلغوا بضعة وستين رجلًا. (^١) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٦/ ٣٨). (^٢) "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٠). (^٣) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٤)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٧/ ١٤). (^٤) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٦٠). (^٥) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٠٩). (^٦) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٦٤)، ولم نقف على ذكر رحلته للعراق عند غيره. (^٧) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٦٨). (^٨) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٢ - ٥٤). فممن روى عنهم وسكن اليمن أو دخلها: ١ - معمر بن راشد أبو عروة الأزدي، قال المزي: "سكن اليمن" (١)، وقد سبق أن الإمام عبد الرزاق جالسه ما بين سبع أو تسع سنوات (٢). وقال عبد الرزاق: "كتبت عن معمر عشرة آلاف حديث" (٣)، وهو ثبت فيه (٤). ٢ - أبوه همام بن نافع، قال ابن حبان: "من خيار أهل اليمن وعبادهم" (٥). ٣ - عمه: وهب بن نافع. ٤ - جعفر بن سليمان الضبعي، وعند ابن شاهين: "قيل لعبد الرزاق: ممن أخذت التشيع؟ فقال: مِن جعفر بن سليمان" (٦)، وقال الذهبي عنه: "وقد حج وذهب إلى صنعاء اليمن، فأكثر عنه عبد الرزاق، وحمل عنه رأيه وتشيع به" (٧). ٥ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج؛ فقد قدم اليمن (٨). ٦ - سفيان الثوري؛ فعند ابن سعد أنه: "كان يأتي اليمن فيتجر" (٩). (^١) "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٣٠٤). (^٢) "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٣/ ٣٠)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٦/ ٣٨)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٤)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٧/ ١٤). (^٣) "تذكرة الحفاظ" للذهبي (١/ ١٤٢). (^٤) ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٩)، "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٧٠٦) تحقيق د. همام عبد الرحيم سعيد. (^٥) "مشاهير علماء الأمصار" (ص ٣٠٦). (^٦) "المختلف فيهم" (ص ٢٤) ط. الرشد. (^٧) "تاريخ الإسلام" (١١/ ٦٨). وينظر: مبحث عقيدة الإمام عبد الرزاق. (^٨) ينظر: "التاريخ الكبير - السفر الثالث" لابن أبي خيثمة (١/ ٣٣٠)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٢٣١). (^٩) "الطبقات الكبرى" (٦/ ٣٧٢). ٧ - سفيان بن عيينة؛ فعند ابن سعد أيضًا: "قال سفيان: وذهبت إلى اليمن سنة خمسين ومائة، وسنة اثنتين وخمسين ومائة، ومعمر حي، وذهب الثوري قبلي بعام" (١). ويُعدُّ هؤلاء أهم شيوخ الإمام عبد الرزاق الذين أخذ عنهم في اليمن. وممن أخذ عنهم الإمام عبد الرزاق من الأئمة سوى من سبق ذكره: ١ - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (٢). ٢ - عبيد الله بن عمر العمري. ٣ - الإمام مالك، حيث ذكر الرشيد العطار الإمام عبد الرزاق في الرواة عن مالك (٣). ٤ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. ٥ - عبد اللَّه بن المبارك. ٦ - الفضيل بن عياض. وقد روى عن هؤلاء جميعا في "المصنف". وروى عن كثير غيرهم ممن أوردهم المزي على ترتيب حروف المعجم (٤). وممن لم نذكره فيما سبق: ١ - إبراهيم بن عمر بن كيسان الصنعاني. ٢ - إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي. ٣ - إبراهيم بن ميمون الصنعاني. (^١) "الطبقات الكبرى" (٥/ ٤٩٧). (^٢) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٨/ ٤٤٩). (^٣) "مجرد أسماء الرواة عن مالك" (ص ١١١). (^٤) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٢ - ٥٤) في ترجمة عبد الرزاق، وما كان مبثوثًا في مواضع أخرى عزوناه عند ذكره. ٤ - إبراهيم بن يزيد الخوزي. ٥ - أحمد بن حنبل (١). ٦ - إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي. ٧ - إسماعيل بن عبد الله البصري. ٨ - إسماعيل بن عياش الحمصي. ٩ - أمية بن شبل الصنعاني. ١٠ - أيمن بن نابل المكي. ١١ - بشر بن رافع الحارثي اليمامي. ١٢ - ثوربن يزيد الحمصي. ١٣ - الحجاج بن أرطاة. ١٤ - الحسن بن عمارة. ١٥ - الحسين بن مهران. ١٦ - داود بن قيس المدني الفراء. ١٧ - داود بن قيس الصنعاني. ١٨ - رباح بن زيد. ١٩ - زكريا بن إسحاق المكي. ٢٠ - زمعة بن صالح الجندي اليماني، سكن مكة (٢). ٢١ - سعيد بن بشير. (^١) "تهذيب الكمال" (١/ ٤٤١). (^٢) "تهذيب الكمال" (٩/ ٣٨٧). ٢٢ - سعيد بن السائب بن يسار؛ وهو ابن أبي حفص الثقفي الطائفي (١). ٢٣ - سعيد بن عبد العزيز. ٢٤ - سعيد بن مسلم بن قماذين. ٢٥ - عباد بن راشد البصري. ٢٦ - عبد الله بن بحير بن ريسان. ٢٧ - عبد الله بن زياد بن سمعان. ٢٨ - عبد الله بن سعيد بن أبي هند. ٢٩ - عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الطائفي، أبو يعلى الثقفي (٢). ٣٠ - عبد الله بن عمر العمري. ٣١ - عبد الله بن عمرو بن علقمة الكناني. ٣٢ - عبد الله بن عمرو بن مسلم الجندي. ٣٣ - عبد الله بن محرر العامري الجزري الحراني (٣). ٣٤ - عبد الرحمن بن بوذويه. ٣٥ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ٣٦ - عبد الصمد بن معقل بن منبه. ٣٧ - عبد العزيز بن أبي رواد. ٣٨ - عبد الملك بن أبي سليمان. ٣٩ - عقيل بن معقل بن منبه. (^١) "تهذيب الكمال" (١٠/ ٤٥٨). (^٢) "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢٢٧). (^٣) "تهذيب الكمال" (١٦/ ٣٠). ٤٠ - عكرمة بن عمار. ٤١ - عمر بن حبيب المكي. ٤٢ - عمر بن حوشب الصنعاني. ٤٣ - عمر بن راشد اليمامي. ٤٤ - عمر بن زيد الصنعاني. ٤٥ - قيس بن الربيع. ٤٦ - المثنى بن الصباح. ٤٧ - محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبد الله العابد (١). ٤٨ - محمد بن راشد المكحولي. ٤٩ - محمد بن عبيد الله العرزمي. ٥٠ - محمد بن مسلم الطائفي. ٥١ - مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشى الأسدي المدني، جد مصعب بن عبد الله الزبيري (٢). ٥٢ - معتمر بن سليمان. ٥٣ - مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني، أبو الحسن البلخي (٣). ٥٤ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني. ٥٥ - النعمان بن أبي شيبة عبيد الصنعاني الجندي (٤). ٥٦ - هشام بن حسان. (^١) "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٥٦٢). (^٢) "تهذيب الكمال" (٢٨/ ١٩). (^٣) "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٤٣٥). (^٤) "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٤٥١). ٥٧ - هشيم بن بشير. ٥٨ - وهيب بن الورد بن أبي الورد القرشي أبو عثمان؛ ويقال: أبو أمية المكي مولى بني مخزوم، اسمه عبد الوهاب (١). ٥٩ - يحيى بن العلاء الرازي. ٦٠ - يعقوب بن عطاء بن أبي رباح. ٦١ - يونس بن سليم الصنعاني. ٦٢ - أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة. ٦٣ - أبو بكر بن عياش. شيوخ الإمام عبد الرزاق الذين روي عنهم في "المصنَّف": بتتبع دار التأصيل مركز البحوث وتقنية المعلومات لشيوخ الإمام عبد الرزاق الذين روى عنهم في كتابه "المصنَّف" تبين أن عددهم (١٧٦) شيخًا (٢). وفيما يلي بيان بذكر الشيوخ الذين روى عنهم الإمام عبد الرزاق في "المصنَّف" خمسين حديثًا أو أكثر، وعدد مروياته عن كل شيخ: ١ - معمر بن راشد، أبو عروة الأزدي مولاهم الحداني البصري مولى عبد السلام بن عبد القدوس. روى عنه (٨٤١٥) رواية. ٢ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد القرشي الأموي مولاهم المكي. روى عنه (٥١٠٦) رواية. ٣ - سفيان بن سعيد بن مسروق بن حمزة بن حبيب، أبو عبد الله الثوري الكوفي. روى عنه (٤٦٧١) رواية. (^١) "تهذيب الكمال" (٣١/ ١٧٠). (^٢) إحصاءات شيوخ الإمام عبد الرزاق وعدد مروياته عنهم قمنا باستخراجها عن طريق الحاسب الآلي. ٤ - سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، أبو محمد الهلالي الكوفي. روى عنه (١٠٨٢) رواية. ٥ - إبراهيم بن محمد بن سمعان، أبو إسحاق الأسلمي مولاهم المدني، أبو ذئب بن أبي يحيى. روى عنه (٢٩٢) رواية. ٦ - إسرائيل بن يونس بن عمرو بن عبد الله، أبو يوسف الهمداني السبيعي الكوفي. روى عنه (٢٥٧) رواية. ٧ - معتمر بن سليمان بن طرخان، أبو محمد التيمي البصري. روى عنه (٢٤٥) رواية. ٨ - عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي المدني العمري الصغير. روى عنه (٢٤٢) رواية. ٩ - مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو، أبو عبد الله القرشي الأصبحي الحميري التيمي المدني. روى عنه (٢٣٧) رواية. ١٠ - هشام بن حسان أبو عبد الله القردوسي البصري. روى عنه (٢٣٠) رواية. ١١ - هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار، أبو معاوية السلمي الواسطي البغدادي. روى عنه (١٠٧) رواية. ١٢ - محمد بن راشد، أبو عبد الله الشامي الدمشقي الخزاعي البصري، المعروف بالمكحولي. روى عنه (٩٣) رواية. ١٣ - جعفر بن سليمان، أبو سليمان الضبعي الحرشي البصري. روى عنه (٩٠) رواية. ١٤ - الحسن بن عمارة بن المضرب، أبو محمد البجلي مولاهم الكوفي الفقيه. روى عنه (٨٤) رواية. ١٥ - محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي المكي. روى عنه (٧٨) رواية. ١٦ - النعمان بن ثابت بن زوطى، أبو حنيفة التيمي الكوفي الفقيه. روى عنه (٧٢) رواية. ١٧ - يحيى بن العلاء، أبو سلمة البجلي المدني الرازي. روى عنه (٦٧) رواية. ١٨ - عبد الله بن كثير البصري الصنعاني. روى عنه (٦٤) رواية. ١٩ - عثمان بن مطر، أبو الفضل الشيباني الرهاوي البصري المطري البغدادي المقرئ. روى عنه (٦٥) رواية. ٢٠ - عبد الله بن محرر، أبو سعيد العامري القاضي الجزري الحراني الرقي مولى بني هلال. روى عنه (٥٩) رواية. ٢١ - أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم القرشي العامري السبري المدني، ابن أبي سبرة. روى عنه (٥٤) رواية. ٢٢ - إسماعيل بن عبد الله بن الحارث الأزدي البصري. روى عنه (٥٣) رواية. وهناك (١٥٤) مائة وأربعة وخمسون شيخًا روى عنهم ما دون (٥٠) حديثا. تلاميذ الإمام عبد الرزاق: أورد المزي (١) من روى عن الإمام عبد الرزاق، وهم من شيوخه أو أقرانه: ١ - أبو أسامة حماد بن أسامة، وهو من أقرانه. ٢ - سفيان بن عيينة، وهو من شيوخه. ٣ - معتمر بن سليمان، وهو من شيوخه. ٤ - وكيع بن الجراح، وهو من أقرانه. ورواية مثل هؤلاء - مع فضلهم وسنهم ومكانتهم في العلم - عن الإمام عبد الرزاق منبئ عن جلالته في نفوسهم ومنزلته عندهم. وممن روى عنه غير هؤلاء ممن أوردهم المزي على ترتيب حروف المعجم: ١ - إبراهيم بن عباد الدبري، والد إسحاق بن إبراهيم الدبري. (^١) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٤ - ٥٦). ٢ - إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهلي الصنعاني (١). ٣ - ابن أخيه إبراهيم بن عبد الله بن همام. ٤ - إبراهيم بن محمد بن برة الصنعاني. ٥ - إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن سويد الشبامي. ٦ - إبراهيم بن محمد بن عرعرة بن البرند القرشي السامي، أبو إسحاق البصري (٢). ٧ - إبراهيم بن مخلد الطالقاني (٣). ٨ - إبراهيم بن موسى الرازي. ٩ - أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري. ١٠ - أحمد بن سعيد الرياطي. ١١ - أحمد بن سفيان، أبو سفيان النسائي، ويقال: المروزي (٤). ١٢ - أحمد بن صالح المصري. ١٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أرطاة (٥). ١٤ - أحمد بن عبد الله المكتب. ١٥ - أحمد بن علي الجرجاني. ١٦ - أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي. ١٧ - أحمد بن فضالة بن إبراهيم النسائي. ١٨ - أحمد بن محمد بن حنبل. ١٩ - أحمد بن محمد بن شبويه الخزاعي. (^١) "تهذيب الكمال" (٢/ ١٣١). (^٢) "تهذيب الكمال" (٢/ ١٧٨). (^٣) "تهذيب الكمال" (٢/ ١٩٧). (^٤) "تهذيب الكمال" (١/ ٣١٩). (^٥) "تهذيب الكمال" (١/ ٣٨٣). ٢٠ - أبو سهل أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي. ٢١ - أحمد بن منصور الرمادي. ٢٢ - أحمد بن يوسف السلمي. ٢٣ - إسحاق بن إبراهيم بن راهويه. ٢٤ - إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري. ٢٥ - إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي. ٢٦ - إسحاق بن إبراهيم الطبري. ٢٧ - إسحاق بن أبي إسرائيل. ٢٨ - إسحاق بن الضيف؛ ويقال: إسحاق بن إبراهيم بن الضيف الباهلي، أبو يعقوب العسكري البصري (١). ٢٩ - إسحاق بن منصور الكوسج. ٣٠ - بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي، أبو عبد الرحمن النيسابوري (٢). ٣١ - بشر بن السري. ٣٢ - أبو بشر بكر بن خلف. ٣٣ - حاتم بن سياه المروزي. ٣٤ - حجاج بن يوسف الشاعر. ٣٥ - الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي التيمي المنكدري، أبو محمد المدني (٣). (^١) "تهذيب الكمال" (٢/ ٤٣٧). (^٢) "تهذيب الكمال" (٤/ ١١٤). (^٣) "تهذيب الكمال" (٦/ ١٤٣). ٣٦ - الحسن بن أبي الربيع الجرجاني. ٣٧ - الحسن بن عبد الأعلى الصنعاني. ٣٨ - الحسن بن علي الخلال. ٣٩ - الحسن بن يحيى بن الجعد بن نشيط العبدي، أبو علي بن أبي الربيع الجرجاني (١). ٤٠ - الحسن بن يحيى بن كثير العنبري المصيصي (٢). ٤١ - الحسين بن محمد البلخي الجريري. ٤٢ - الحسين بن مهدي الأبلي. ٤٣ - حفص بن عمر المهرقاني. ٤٤ - خشيش بن أصرم النسائي. ٤٥ - خلف بن سالم المخرمي. ٤٦ - أبو خيثمة زهير بن حرب. ٤٧ - زهير بن محمد بن قمير المروزي. ٤٨ - سعيد بن ذؤيب المروزي. ٤٩ - سلمة بن شبيب النيسابوري. ٥٠ - سليمان بن داود الشاذكوني. ٥١ - سليمان بن معبد السنجي. ٥٢ - سهل بن عثمان بن فارس الكندي، أبو مسعود العسكري (٣). ٥٣ - شجاع بن الوليد، أبو الليث البخاري (٤). (^١) "تهذيب الكمال" (٦/ ٣٣٤). (^٢) "تهذيب الكمال" (٦/ ٣٣٦). (^٣) "تهذيب الكمال" (١٢/ ١٩٨). (^٤) "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣٨٨). ٥٤ - عباس بن عبد العظيم العنبري. ٥٥ - عباس بن يزيد بن أبي حبيب البحراني، أبو الفضل البصري لقبه: عباسويه ويعرف بالعبدي (١). ٥٦ - عبد الله بن محمد الجعفي المسندي. ٥٧ - عبد الله بن محمد؛ ويقال: عبد الله بن عمر اليمامى، أبو محمد المعروف بابن الرومي (٢). ٥٨ - عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. ٥٩ - عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة القرشي، أبو الصلت الهروي (٣). ٦٠ - عبد بن حميد. ٦١ - عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي. ٦٢ - علي بن بحر بن بري. ٦٣ - علي بن المديني. ٦٤ - عمار بن نصر السعدي، أبو ياسر الخراساني المروزي (٤). ٦٥ - عمرو بن محمد الناقد. ٦٦ - غياث بن جعفر الشامي الرحبي (٥). ٦٧ - الفضل بن مقاتل الأزدي، أبو مقاتل البلخي (٦). ٦٨ - فياض بن زهير النسائي. ٦٩ - محمد بن أبان البلخي. (^١) "تهذيب الكمال" (١٤/ ٢٦٢). (^٢) "تهذيب الكمال" (١٦/ ١٠٥). (^٣) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٧٤). (^٤) "تهذيب الكمال" (٢١/ ٢١١). (^٥) "تهذيب الكمال" (٢٣/ ١٢٦). (^٦) "تهذيب الكمال" (٢٣/ ٢٥٤). ٧٠ - محمد بن إسحاق بن الصباح الصنعاني. ٧١ - محمد بن إسحاق السجزي. ٧٢ - محمد بن إسماعيل الرازي الضراري. ٧٣ - محمد بن الحسن بن زبالة، وهو محمد بن الحسن بن أبي الحسن القرشي المخزومي المدني (١). ٧٤ - محمد بن حماد الطهراني. ٧٥ - محمد بن حماد الأبيوردي، أبو عبد الله الزاهد (٢). ٧٦ - محمد بن أبي خالد القزويني (٣). ٧٧ - محمد بن داود بن سفيان. ٧٨ - محمد بن رافع النيسابوري. ٧٩ - محمد بن أبي السري العسقلاني. ٨٠ - محمد بن سماعة الرملي. ٨١ - محمد بن سهل بن عسكر التميمي. ٨٢ - محمد بن عبد الله بن المهل الصنعاني. ٨٣ - محمد بن عبد الأعلى الصنعاني. ٨٤ - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زنجويه الغزال. ٨٥ - محمد بن علي النجار. (^١) "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٦٣). (^٢) "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٩٢). (^٣) قال المزي في "تهذيب الكمال" (٢٥/ ١٥٦): "محمد بن أبي خالد، واسمه يزيد، أبو بكر القزويني ويقال: الطبري". وذكر أنه روى عن عبد الرزاق بن همام، ثم قال المزي (٢٥/ ١٥٧، ١٥٨): "ولهم شيخ آخر يقال له: محمد بن أبي خالد القزويني، أبو جعفر الصوفي، حدث بدمشق عن عبد الرزاق بن همام". ٨٦ - محمد بن مسعود ابن العجمي. ٨٧ - محمد بن مهران الجمال الرازي. ٨٨ - محمد بن يحيى بن أبي سمينة؛ واسمه مهران البغدادي، أبو جعفر التمار (١). ٨٩ - محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. ٩٠ - محمد بن يحيى الذهلي. ٩١ - أبو حمة محمد بن يوسف الزبيدي. ٩٢ - محمود بن غيلان المروزي. ٩٣ - مخلد بن خالد الشعيري. ٩٤ - مؤمل بن إهاب. ٩٥ - نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك الخزاعي، أبو عبد الله الروزي (٢). ٩٦ - نوح بن حبيب القومسي. ٩٧ - هارون بن إسحاق الهمداني. ٩٨ - يحيى بن جعفر البيكندي. ٩٩ - يحيى بن معين. ١٠٠ - يحيى بن موسى، ختٌّ البلخي. ١٠١ - يزيد بن محمد بن فضيل الجزري الرسعني (٣). ١٠٢ - يعقوب بن حميد بن كاسب المدني (٤). ١٠٣ - أبو حصين بن يحيى بن سليمان الرازي (٥). (^١) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٦١٥). (^٢) "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٤٦٧). (^٣) "تهذيب الكمال" (٣٢/ ٢٣٨). (^٤) "تهذيب الكمال" (٣٢/ ٣١٩). (^٥) "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٢٥٠). عقيدة الإمام عبد الرزاق ومذهبه الفقهى: عقيدة الإمام عبد الرزاق: إن المتأمل في كلام أهل العلم فيما يتعلق بعقيدة الإمام عبد الرزاق يمكنه أن يخلص إلى أنه متبع لمنهج السلف؛ إلا ما كان من مسألة تأثره بالتشيع للإمام علي - ﵁ -، وهي مسألة ظاهرة في حديث أهل العلم والنقاد عن عقيدة الإمام عبد الرزاق، لكن آثرنا أن ندلل على منهجه العقدي في غير هذه المسألة أولًا، ثم نتبع ذلك بالحديث عنها. موقف الإمام عبد الرزاق من مسائل الأسماء والصفات: يظهر ذلك من خلال آثاره كـ "المصنف" و"التفسير"، وما نقل عنه من اعتنائه بنقل أقوال السلف وآثارهم، وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية تفسير الإمام عبد الرزاق في جملة التفاسير المأثورة عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين، وأن فيها من أقوال السلف في أفعال الله تعالى الاختيارية الموافق لقول المثبتين ما لا يكاد يحصى (١). قول الإمام عبد الرزاق في مسألة الإيمان وموقفه من الإرجاء والمرجئة: أخرج الهروي عن حفص بن عمر المهرقاني قال: سألت عبد الرزاق قلت: يا أبا بكر، إن عندنا قومًا مختلفين في الإيمان، فأخبرني علامَ أنت؟ وعلامَ أدركت العلماء؟ فقال: الإيمان عندنا قول وعمل ويقين وإصابة السنة، فمن عمل وأيقن وقال ولم يصب السنة فهو منقوص، ومن قال ولم يعمل فهو منقوص، ومن قال وعمل ولم يوقن فهو منقوص، على هذا أدركت العلماء (٢). وفي "السنة" لعبد الله ابن الإمام أحمد ﵀ عن عبد الرزاق قال: كان معمر وابن جريج والثوري ومالك وابن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (^١) ينظر: "درء تعارض العقل والنقل" (٢/ ١٨، ٢١، ٢٢). (^٢) "ذم الكلام" للهروي (٣/ ١٢٥). قال عبد الرزاق: وأنا أقول ذلك: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وإن خالفتهم فقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين (١). وثمة قصة يتبين منها مجانبة الإمام عبد الرزاق للمذاهب المنحرفة الموجودة في وقته - ومنها الإرجاء - فقد أخرج ابن عساكر عن يحيى بن جعفر البيكندي أنه قال: "كنت مرجئًا فخرجت إلى الحج، فدخلت الكوفة فسألت وكيع بن الجراح عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل؛ فلم أستحل أن أكتب عنه، ثم دخلت مكة فسألت سفيان بن عيينة عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل؛ فلم أستحل أن أكتب عنه، ثم دخلت اليمن وجلست في مجلس عبد الرزاق فلم أسأله عنه، فأخبر بمذهبي، فلما جلس أصحابي فقال لي: يا خراساني، والله لو علمت أنك على هذا المذهب ما حدثتك، اخرج عني. قال: فقلت في نفسي: صدق عبد الرزاق، لقيت وكيع بن الجراح فقال: الإيمان قول وعمل، ولقيت سفيان بن عيينة فقال: الإيمان قول وعمل، فرجعت عن مذهبي وكتبت عنهما بعد رجوعي من اليمن" (٢). قال الذهبي: "وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن أبي رواد في سنة ست ومائتين. وقال عبد الرزاق: الحمد للَّه الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد" (٣). وقد كان عبد المجيد داعية إلى الإرجاء، كما قال أبو داود (٤). موقف الإمام عبد الرزاق من الخوارج: لم نقف على كلام صريح له في ذلك، لكنه ضَمَّن "المصنف" بابًا كبيرًا في ذكر الخوارج، وهو: "باب قتال الحروراء"، ثم جاء عنده: "باب ما جاء في قتل الحروراء"، وأورد فيهما عدة أحاديث في ذمهم. (^١) "السنة" لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٤٢). (^٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٥، ١٨٦). (^٣) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٤٩). (^٤) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٤٨). قول الإمام عبد الرزاق في مسألة القدر: قال الفسوي: "حدثنا أبو بكر بن عبد الملك (١) قال: قال عبد الرزاق: "وكان مكحول يقوله، وابن أبي ذئب، وبكار اليمامي - يعني: القدر -" (٢). وهذه العبارة من عبد الرزاق تومئ إلى أن بدعة القدرية كانت عنده أمرًا يعيب هؤلاء المذكورين. موقف الإمام عبد الرزاق من المعتزلة وأهل الجدل: وعن أحمد بن منصور الرمادي قال: "أخبرنا عبد الرزاق قال: قال لي إبراهيم بن أبي يحيى: إني أرى المعتزلة عندكم كثيرًا، قال: قلت: نعم، وهم يزعمون أنك منهم، قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك، قلت: لا، قال: لمَ؟ قلت: لأن القلب ضعيف، وإن الدين ليس لمن غلب" (٣). وصف الإمام عبد الرزاق بالتشيع والرفض: قبل أن نتطرق لعرض ما حكي عن الإمام عبد الرزاق في هذا الشأن، ارتأينا أن نقدم بين يدي ذلك كلمة للإمام الذهبي، تبين معنى مصطلحي التشيع والرفض في لسان علماء الحديث وعرفهم؛ حتى لا يذهب الفكر ببعض الناس بعيدا، فيحسب أن معناه في زمنهم مثل معناه في زمننا هذا الذي انحرفت فيه بعض فرق الشيعة انحرافا عقديا كبيرا ليس من دين الإسلام في شيء. قال الذهبي: "ولكن من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه ببغض وتنقص فهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، (^١) تكررت روايته في "المعرفة والتاريخ" عن عبد الرزاق، وتبين لنا أنه عبد الرزاق بن همام، ينظر: (١/ ٤٧٩، ٦٣٧، ٦٤١) وغيرها. (^٢) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٤٠٠). (^٣) "ذم الكلام" للهروي (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٦). فإن كفره، فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم" (١). وقال في ترجمة أبي عروبة: "كل من أحب الشيخين فليس بغالٍ، بل من تعرض لهما بشيء من تنقص فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر فقد باء بالكفر، واستحق الخزي" (٢). ونقول: إن الناظر في الأقوال المتعلقة بهذا الشأن في حق الإمام عبد الرزاق يتضح له مدى تباينها في تحديد موقفه: فمن هذه الأقوال والروايات ما يدفع عنه وصفه بالتشيع فضلًا عن الرفض، أو يؤكد رجوعه عن هذا المسلك بعد اتصافه به، ويدخل في هذا النوع من الأقوال ما ينقله بعض تلاميذه كالإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن الأزهر وغيرهما، فمن هذه الآثار ما ينقل عنه عدم تصريحه بتفضيله لعلِي علَى أبي بكر وعمر ﵃ جميعا، وأنه على مذهب أهل السنة والجماعة في أن أفضل هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر. فعن عبد الله ابن الإمام أحمد قال: "حدثني سلمة بن شبيب، قال: سمعت عبد الرزاق يقول: واللَّه ما انشرح صدري قطُّ أن أُفضل عليًّا على أبي بكر وعمر، ورحم الله أبا بكر، ورحم الله عمر، ورحم الله عثمان، ورحم الله عليًّا، ومن لم يحبهم فما هو بمؤمن، وإن أوثق عملي حُبّي إياهم" (٣). وعن أبي الأزهر قال: "سمعت عبد الرزاق يقول: أُفضِّل الشيخين بتفضيل علِيٍّ إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما لم أفضلهما، كفى بي إزراء أن أحب عليًّا ثم أخالف قوله" (٤). (^١) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٣٧٠). (^٢) "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٥١١). (^٣) "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٥٩). (^٤) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠). وقال الفسوي: "حدثني محمد بن أبي السري، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: سألت الزهري عن عثمان وعلي أيهما أفضل؟ فقال: الدم الدم، عثمان أفضلهما. قال: وكان يقول: أبو بكر وعمر، ويسكت. وقال ابن أبي السري: فقلت لعبد الرزاق: ما رأيك أنت؟ فأبى أن يخبرني. وقال: كان سفيان الثوري يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت"، ثم قال: "وقال عبد الرزاق: وكان مالك بن أنس يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت. قال: وكان هشام بن حسان يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت" (١). وعن أبي بكر بن زنجويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: "الرافضي كافر" (٢). وهذا الأثر الذي ينقله عنه أحد تلامذته يدفع عنه تهمة الرفض والغلو في التشيع. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: "سألت أبي قلت له: عبد الرزاق كان يتشيع ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا، ولكن كان رجلا تعجبه أخبار الناس أو الأخبار" (٣). ونقل ابن عساكر طرفًا من الروايات التي فيها نسبة الإمام عبد الرزاق إلى التشيع، ثم قال: "وقد روي عنه أنه رجع عن ذلك"، ثم أخرج عن أبي مسلم البغدادي قال: "عبيد الله بن موسى من المتروكين؛ تركه أبو عبد الله أحمد بن حنبل لتشيعه، وقد عوتب أحمد بن حنبل على روايته عن عبد الرزاق، فذكر أنه رجع عن ذلك" (٤). ومن هذه الأقوال والروايات ما يَذكُر تشيعه دون وسمه بالغلو فيه، مع التأكيد على صدقه وتثبته فيما يرويه، فمنها ما يُنقل عن ابن معين - وهو من تلاميذه - وكذلك عن بعض النقاد كابن عدي، والذهبي، وابن رجب وغيرهم ممن يأتي ذكره. (^١) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٠٦، ٨٠٧). وينظر: "تاريخ الإسلام" للذهبي (١٥/ ٢٦٤)، و"ميزان الاعتدال" له (٢/ ٦١٢). (^٢) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ١٧٨). (^٣) "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٥٩). (^٤) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٨٩). فعن ابن معين أنه قال: "سمعت من عبد الرزاق كلامًا يومًا فاستدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب (١)، فقلت: إن أُستاذِيك الذين أخذت عنهم ثقات كلهم أصحاب سنة: معمر، وما لك بن أنس، وابن جريج، وسفيان، والأوزاعي، فعَمَّن أخذتَ هذا المذهب؟ فقال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي، فرأيته فاضلًا حسن الهدي، فأخذت هذا عنه" (٢). وقال العقيلي: "حدثنا محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، قال: سألت محمد بن أبي بكر المقدمي عن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: روى عنه عبد الرزاق؟ فقال: فقدت عبد الرزاق، ما أفسد جعفر غيره" (٣). قال الذهبي: "يعني: في التشيع. قلت أنا: بل ما أفسد عبدَ الرزاق سوى جعفر بن سليمان" (٤). وعن مخلد الشعيري أنه قال: "كنت عند عبد الرزاق، فذكر رجل معاوية، فقال: لا تقذروا مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان" (٥). وعن أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: سمعت يحيى بن معين يقول - وبلغه أن أحمد بن حنبل يتكلم في عبيد الله بن موسى بسبب التشيع - قال يحيى: "واللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، لقد سمعت من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عبيد الله بن موسى، ولكن خاف أحمد بن حنبل أن تذهب رحلته إلى عبد الرزاق، أو كما قال" (٦). (^١) أي: فاستدللت به على تشيعه، كما في لفظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦١١). (^٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٧). (^٣) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠٠). (^٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٠). (^٥) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠٣). (^٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٨)، وهو في "التاريخ الكبير - السفر الثالث" لابن أبي خيثمة (١/ ٣٣) بلفظ مختصر عن هذا. فهذه الآثار تدل على تشيع عبد الرزاق، ويأتي على منوالها بعض العبارات النقولة عن بعض النقاد، فدونكها على الترتيب: قال العجلي: "عبد الرزاق بن همام يماني ثقة، يكنى أبا بكر، وكان يتشيع" (١). وقال ابن حبان: "وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، وكان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه، على تشيع فيه" (٢). وقال أبو داود: "كان عبد الرزاق يُعرِّض بمعاوية، أخذ التشيع من جعفر" (٣). وقال البزار: "ثقة يتشيع" (٤). وقال ابن عدي: "ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يَرَوْا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث؛ ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير" (٥). وذكر الخطيب البغدادي أنه كان يذهب إلى التشيع (٦). وقال الذهبي: "الثقة الشيعي" (٧). وقال ابن رجب: "وقد ذكر غير واحد أن عبد الرزاق حدث بأحاديث مناكير في فضل علي وأهل البيت، فلعل تلك الأحاديث مما لُقِّنَها بعدما عمي - كما قاله الإمام أحمد، واللَّه أعلم - وبعضها مما رواه عنه الضعفاء ولا يصح عنه" (٨). (^١) "الثقات" للعجلي (ص ٣٠٢). (^٢) "الثقات" لابن حبان (٨/ ٤١٢). (^٣) "الإكمال" (٨/ ٢٦٨). (^٤) "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٦/ ٣١٤). (^٥) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٥). (^٦) "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٥). (^٧) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٦٣). (^٨) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٥٣). وقال الداودي: "وثَّقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، بل يحب عليًّا - ﵁ - ويبغض من قاتله" (١). ومن هذه الأقوال والروايات ما قد يلحقه بزمرة الغلاة في التشيع، فمنها: ما أخرجه العقيلي قال: "سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق وأكثر عنه، ثم حرق كتبه، ولزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك فقال: كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان … الحديث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: "فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها". قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك يقول: "تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها"، لا يقول: رسول الله - ﷺ -. قال زيد بن المبارك: فقُمت، فلم أعد إليه، ولا أروي عنه حديثا أبدًا" (٢). قال الذهبي بعد إيراده الخبر السابق: "في هذه الحكاية إرسال، واللَّه أعلم بصحتها، ولا اعتراض على الفاروق - ﵁ - فيها، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات" (٣). وقال الذهبي أيضًا: "هذه عظيمة، وما فهم قول أمير المؤمنين عمر، فإنك يا هذا لو سكت لكان أولى بك، فإن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا فعمر - ﵁ - أعلم بحق المصطفى وبتوقيره وتعظيمه من كل متحذلق متنطع، بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل - عفا الله عنه - كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق؟ وبكل حال، فنستغفر الله لنا ولعبد الرزاق؛ فإنه مأمون على حديث رسول الله - ﷺ - صادق" (٤). (^١) "طبقات المفسرين" (١/ ٣٠٢). (^٢) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠١). (^٣) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦١١). (^٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢، ٥٧٣). وحسبنا أن هذه الحكاية لم تثبت عنه - كما في كلام الذهبي - بل غاية ما هنالك أن يكون عند الإمام عبد الرزاق تشيع يسير، ما كان يجسر أن يحدث به كل أحد. وأنت - أيها القارئ الكريم - إذا نظرت في هذه الهفوة - إن صحت عنه - ثم وزنتها بحسنات الإمام عبد الرزاق ومكانته في رواية الحديث النبوي والآثار، طاشت كفتها وانمحى أثرها؛ فإن "الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث". ولله در شيخ المنصفين الذهبي إذ يقول: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين" (١). مذهب الإمام عبد الرزاق الفقهى: بدأت المذاهب الفقهية تتكون منذ العقود الأولى من القرن الثاني الهجري، واستمرت في التطور والتمايز حتى اكتملت أواخر القرن الثالث الهجري، أما المحدثون قبل تميز المذاهب الفقهية، فقد كان ذوو الفقه منهم يذهبون مذهب الحجازيين أو الكوفيين. ولما تعرض الجعدي لحال الفقه والفقهاء في اليمن، ذكر الإمام عبد الرزاق في الطبقة الثانية من تابعي التابعين وفقهاء اليمن (٢)، ثم ذكر طبقة أخرى في المائة الثالثة، وقال في أواخر حديثه عن هذه الطبقة: "كان الغالب في اليمن مذهب مالك وأبي حنيفة" (٣)، ثم ذكر بعض الفتن التي لحقت اليمن في آخر المائة الثالثة وأكثر المائة الرابعة، ومنها دعوة يحيى بن الحسين بن القاسم الناس إلى التشيع، ومما قاله: "وكان أهل اليمن صنفين: إما مفتون بهم، وإما خائف متمسك بنوع من الشريعة؛ إما حنفي - وهو الغالب - وإما مالكي" (٤)؛ فوضح من كلامه أن كلا المذهبين قد دخل اليمن، وإن كان مذهب الحنفية أكثر انتشارًا في اليمن في هذه الحقبة. (^١) "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٤٠). (^٢) ينظر: "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٦٨،٦٧). (^٣) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٧٤). (^٤) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٧٩). ومثل هذا العرض التاريخي المختصر لظهور بعض المذاهب الفقهية في اليمن يظهر أن الإمام عبد الرزاق قد عاش حياته إبان نشأة المذاهب الفقهية وتكونها وتوفي قبل اكتمال هذه المرحلة، ومع ذلك فقد تنازعه أصحاب المذاهب الفقهية، فذكره الملا علي القاري في أصحاب أبي حنيفة فقال: "ومن أهل اليمن: معمر بن راشد، وعبد الرزاق بن همام إمام أهل صنعاء أكثر الرواية عن الإمام" (١). وقد سبق ذكر الإمام أبي حنيفة في شيوخ الإمام عبد الرزاق، بينما ذكره القاضي عياض في جملة أصحاب مالك وضمن مشاهير الرواة عنه (٢)، وقد سبق ذكر الإمام مالك في شيوخ الإمام عبد الرزاق أيضا. أما ابن أبي يعلى فعد عبد الرزاق في الطبقة الأولى من أصحاب الإمام أحمد ومن روى عنه حديثًا أو مسألة أو حكاية (٣). والحق أن الاتجاه الفقهي لعبد الرزاق كان أوسع من أن يحصر في مذهب فقهي لأحد الذاهب الفقهية المعروفة، إذ لم يكن متقيدًا باتجاه فقهي لشيخ معين من شيوخه؛ دل على ذلك دراسة عينة من كتابه "المصنف" قام بها بعض الباحثين؛ تتبع فيها بعض المواضع التي صرح فيها الإمام عبد الرزاق باختياره واختيار غيره في المسألة (٤)، وخلاصة البحث في هذه العينة أن مذهب الإمام عبد الرزاق هو مذهب أكثر الصحابة والتابعين، وأن له شخصيته الفقهية المتميزة، وله آراؤه وتوضيحاته الخاصة، وأنها ليست بالضرورة مذهب أحد شيوخه (٥). مكانة الإمام عبد الرزاق العلمية وأقوال العلماء فيه: احتل الإمام عبد الرزاق بين علماء عصره مكانة فريدة ومنزلة رفيعة جعلت الإمام يحيى بن معين - وقد سئل إن كان قد ترك حديثه - يقول: "لو ارتد عبد الرزاق عن (^١) "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية" (ص ١٣١). (^٢) "ترتيب المدارك" (٢/ ٢٠٨). (^٣) "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١/ ٢٠٩). (^٤) "منهج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه" لأسماء إبراهيم سعود عجين (ص ٢٩٨ - ٣١٢). (^٥) "منهج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه" (ص ٣١٢). الإسلام ما تركنا حديثه" (١). وقد كان ﵀ محط رحال طلبة العلم ومقصدهم من المشرق والمغرب، يظهر هذا جليًّا في قول السمعاني عنه: "قيل: ما رُحِل إلى أحد بعد رسول الله - ﷺ - مثل ما رُحِل إليه" (٢)، وقال الذهبي: "احتج به كل أرباب الصحاح" (٣). ولا شك أن مثل هذه المكانة الفريدة قَلَّ من حظي بها من المحدثين. وفيما يلي جملة من أقوال شيوخه وأقرانه وغيرهم قد سيقت في معرض الثناء عليه، وقد راعينا في إيرادها ترتيبها حسب وفيات قائليها، ثم أتبعناها ببعض الانتقادات التي وُجِّهت إليه. قال محمد بن أبي السري العسقلاني، عن عبد الوهاب بن همام أخي عبد الرزاق: "كنت عند معمر وكان خاليًا، فقال: يختلف إلينا في طلب العلم من أهل اليمن أربعة: رباح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق بن همام، فأما رباح فخليق أن تغلب عليه العبادة فينتفع بنفسه ولا ينتفع به الناس، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان قليل الحفظ، وأما ابن همام فإن عاش فخليق أن تضرب إليه أكباد الإبل". قال محمد بن أبي السري: "فواللَّه لقد أتعبها" (٤). وقال علي بن الديني: قال لي هشام بن يوسف - وهو أحد أقران عبد الرزاق (٥) -: "كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا" (٦). (^١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٨). (^٢) "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٣١). (^٣) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢). (^٤) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٧)، وينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٢، ١٧٣). (^٥) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٨٠). (^٦) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٧٠). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني سفيان بن وكيع قال: سمعت أبي وذكر عبد الرزاق فقال: "يشبه رجال أهل العراق" (١). وعن يحيى بن معين أنه قال: "عبد الرزاق ثقة لا بأس به" (٢). وقال يحيى بن معين أيضًا: "كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف، وكان هشام بن يوسف أثبت من عبد الرزاق في حديث ابن جريج، وكان أقرأ لكتب ابن جريج من عبد الرزاق، وكان أعلم بحديث سفيان من عبد الرزاق" (٣). وقال علي بن الديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى وعبد الرحمن ووكيع وابن عيينة وأبو داود وعبد الرزاق". قال علي: "من شدة شهوتهم له" (٤). وعن أحمد بن صالح المصري: "قلت لأحمد بن حنبل: رأيتَ أحدًا أحسن حديثًا منه؟ - يعني عبد الرزاق - قال: لا" (٥). وقال الإمام أحمد أيضًا: "كتب عبد الرزاق هي العلم" (٦). وقال أيضًا: "إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق" (٧). وقال كذلك: "حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان - يعني: معمرًا - يتعاهد كتبه وينظر فيها - يعني: باليمن - وكان يحدثهم حفظًا بالبصرة" (٨). (^١) "العلل" للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٥٩). (^٢) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٩). (^٣) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ١٣٠). (^٤) "الجامع لآداب الراوي" للخطيب البغدادي (٢/ ٢٧٤). (^٥) "الفوائد المعللة" لأبي زرعة الدمشقي (ص ٢٥٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٦، ٥٧). (^٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٠). (^٧) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٩). (^٨) "تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٧). وقال أبو زرعة: "قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم. قيل له: فمن أثبت في ابن جريج: عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق" (١). وقال الإمام أحمد: "عبد الرزاق أوسع علمًا من هشام بن يوسف، وهشام أنصف منه" (٢). وقال البخاري في ترجمة الإمام عبد الرزاق: "ما حدث من كتابه فهو أصح" (٣). وذكر أبو عبد الله الذهلي أصحاب معمر من أهل صنعاء فقال: "كان محمد بن ثور له صلاح وفضل ولم يكن يحفظ، وكان هشام بن يوسف صحيح الكتاب عن معمر ولم يكن يحفظ، وكان عبد الرزاق أيقظهم في الحديث وكان يحفظ" (٤). وقال الآجري: "سئل أبو داود عن عبد الرزاق والفريابي، فقال: الفريابي أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة" (٥). وقال أبو زرعة: "ربما انتفع المحدث القاصي الدار، كان عبد الرزاق قاصي الدار، فعمَّر داره وحسَّن حديثه" (٦). وقال أبو زرعة الدمشقي: "عبد الرزاق أحد من قد ثبت حديثه" (٧). وقال البزار: "ثقة يتشيع" (٨). (^١) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص ٤٥٧). (^٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٩). (^٣) "التاريخ الكبير" (٦/ ١٣٠). (^٤) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٧٠). (^٥) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٦٨). (^٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٤، ١٨٥). (^٧) "الفوائد المعللة" لأبي زرعة الدمشقي (ص ٢٥٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٧). (^٨) "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٦/ ٣١٤). وقال ابن عدي: "ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير" (١). وقال أبو الحسن الدارقطني: "ثقة يخطئ على معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب" (٢). وقال أبو سعد السمعاني: "قيل: ما رُحِل إلى أحد بعد رسول الله - ﷺ - مثل ما رُحِل إليه" (٣). ووصفه الذهبي بشيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومَن احتج به كل أرباب الصحاح، وإن كان له أوهام مغمورة (٤). وقال عنه اليافعي: "الحافظ العلامة المرتَحَل إليه من الآفاق الشيخ الإمام" (٥). وقال ابن القيم ﵀: "وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم من التزهيد في العلم والاستغناء عنه، كقول من قال: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت، وأنتم تأخذونه من حي يموت. وقول الآخر - وقد قيل له -: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟ وقول الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله ﷿. وقول الآخر: لنا علم الخِرَق، ولكُم (^١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٥). (^٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٢). (^٣) "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٣١). (^٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢). (^٥) "مرآة الجنان" (٢/ ٤٠). علم الورق. ونحو هذا من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها أن يكون جاهلًا يعذر بجهله، أو شاطحًا معترفًا بشطحه، وإلا فلولا عبد الرزاق وأمثاله، ولولا "أخبرنا" و"حدثنا" لما وصل إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام" (١). وقد ذكره ابن القيم في المفتين باليمن مع مطرف بن مازن قاضي صنعاء وهشام بن يوسف ومحمد بن ثور وسماك بن الفضل (٢). وقال ابن حجر العسقلاني: "ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع" (٣). وقال أيضًا: "الحافظ المشهور متفق على تخريج حديثه، وقد نسبه بعضهم إلى التدليس" (٤). وقال الداودي: "وثَّقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، بل يحب عليًّا - ﵁ - ويبغض من قاتله" (٥). ومن الأقوال التي سيقت في معرض النقد ما يلي: قال وكيع لعبد الرزاق - وهو أحد أقرانه (٦) -: "أنت رجل عندك حديث وحفظك ليس بذاك، فإذا سئلت عن حديث فلا تقل: ليس هو عندي، ولكن قل: لا أحفظه" (٧). (^١) "مدارج السالكين" (٢/ ٣٥٠) ط. دار إحياء التراث العربي - بيروت. (^٢) "إعلام الموقعين" (١/ ٢٨). (^٣) "تقريب التهذيب" (ص ٦٠٧). (^٤) "طبقات المدلسين" (ص ٣٤). وينظر ما ذُكِر في الأقوال التي سيقت في معرض النقد. (^٥) "طبقات المفسرين" (١/ ٣٠٢). وينظر مبحث عقيدة الإمام عبد الرزاق. (^٦) ينظر مبحث: تلاميذ الإمام عبد الرزاق: من روى عن الإمام عبد الرزاق، وهم من شيوخه أو أقرانه. (^٧) "الكفاية" للخطيب البغدادي (ص ٢٣٢)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٩). وعند العقيلي عن عبد الله بن محمد المسندي قال: "ودعت ابن عيينة قلت: أريد عبد الرزاق؟ قال: أخاف أن تكون (١) من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا" (٢). وعن زيد بن المبارك قال: "كان عبد الرزاق كذابًا، يسرق الحديث" (٣). وعن يحيى بن معين: "قال لي أبو جعفر السويدي: جاءوا إلى عبد الرزاق بأحاديث كتبوها ليس هي من حديثه، فقالوا: اقرأها علينا، فقال: لا أعرفها، فقالوا: اقرأها علينا لا تقل فيها حدثنا، فقرأها عليهم" (٤). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: "سمعت يحيى يقول: ما كتبتُ عن عبد الرزاق حديثًا قط إلا من كتابه، لا والله ما كتبت عنه حديثًا قط إلا من كتابه" (٥). وقال عبد الله أيضًا: "قال لي يحيى: ما كتبت عن عبد الرزاق حديثًا واحدًا إلا من كتابه كله" (٦). وقال ابن أبي مريم: "سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرزاق ثقة لا بأس به. قال يحيى في حديث عبد الرزاق: "إن النبي - ﷺ - رأى على عمر قميصا" قال: هو حديث منكر ليس يرويه أحد غير عبد الرزاق، قيل له: إن عبد الرزاق كان يحدث بأحاديث عبيد الله، عن عبد الله بن عمر، ثم حدث بها عن عبيد الله بن عمر، فقال يحيى: لم يزل عبد الرزاق يحدث بها عن عبيد الله، ولكنها كانت منكرة" (٧). (^١) كذا بالتاء المثناة الفوقية، على الخطاب، فالخوف على المسندي، وفي "تاريخ دمشق": "يكون" بالياء التحتية على الغَيبة، فيكون الكلام عن عبد الرزاق، وهي على الحالين فيها قدح في عبد الرزاق. (^٢) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠٠)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٩٠). (^٣) "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٥٧٤). (^٤) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ٧١). (^٥) "العلل ومعرفة الرجال" (٣/ ١٥). (^٦) "العلل ومعرفة الرجال" (٢/ ٦٠٦). (^٧) "الكامل" لابن عدي (٨/ ٣٨٢، ٣٨٣) ط. الرشد. وقال يحيى بن معين أيضًا: "كان ابن المبارك يحدث عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "المرض كفارة والبرء تنقص". قال يحبى: فقلت لعبد الرزاق: تحفظ هذا؟ فقال: لا والله ما سمعت هذا من معمر قط، قال يحيى: ثم جاءوا به عن عبد الرزاق بعد" (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل: "عمي في آخر عمره، وكان يُلَقَّن فيتلقن، فسَمَاعُ مَن سمع منه بعد المائتين لا شيء" (٢). وقال أبو زرعة: "وأخبرني أحمد بن حنبل قال: أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع" (٣). وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًّا، روى عنه عن عبيد الله أحاديث مناكير هي من حديث العمري، وأما سماعه باليمن فأحاديث صحاح" (٤). وعن أبي عبد الله محمد بن عثمان الثقفي يقول: "لما قدم العباس بن عبد العظيم من صنعاء من عند عبد الرزاق، وكان رحل إليه للحديث أتيناه لنسلم عليه، فقال لنا ونحن جماعة عنده في البيت: ألست قد تجشمت الخروج إلى عبد الرزاق ورحلت إليه وأقمت عنده حتى سمعت منه ما أردت؟ والله الذي لا إله إلا هو، إن عبد الرزاق كذاب، ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه" (٥). وقال الإمام البخاري: "عبد الرزاق يهم في بعض ما يحدث به" (٦). (^١) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٤/ ٣٦١). (^٢) "المختلطين" للعلائي (ص ٧٤). (^٣) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص ٤٥٧). (^٤) "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٦٠٦) تحقيق نور الدين عتر. (^٥) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٨). (^٦) "العلل الكبير للترمذي" ترتيب أبي طالب القاضي (ص ١٩٩). وعن إسحاق بن عبد الله السلمي قال: "حجاج بن محمد نائمٌ أوثق من عبد الرزاق يقظانَ" (١). وقال أبو حاتم الرازي: "يكتب حديثه ولا يحتج به" (٢). وقال النسائي: "عبد الرزاق بن همام فيه نظر لمن كتب عنه بِأَخَرَة" (٣). وقال ابن حبان: "وكان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه" (٤). وقال الدارقطني: "عبد الرزاق يخطئ عن معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب" (٥). وقال الحافظ ابن حجر: "متفق على تخريج حديثه، وقد نسبه بعضهم إلى التدليس" (٦). ويلاحظ أن هذه الأقوال التي تعرضت لنقد الإمام عبد الرزاق قد دارت على عدة أشياء: الوهم، وضعف الحفظ، والتلقين، والتدليس، واتهامه بالكذب، وسرقة الحديث، وكل هذا يمكن الإجابة عنه: فأما الوهم وضعف الحفظ: فيجاب عنه بما ورد من إثبات حفظه في قول المثنين عليه سابقًا، كما يمكن أن يجاب عنه بقول البخاري: "ما حدث من كتابه فهو أصح" (٧). وأما التلقين: فيجاب عنه بالتفصيل الذي قاله الإمام أحمد، وهو أن من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع (٨)، فسماع من سمع منه بعد المائتين لا شيء (٩)، (^١) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٣). (^٢) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٦/ ٣٩). (^٣) "الضعفاء والمتروكين" (ص ١٦٤). (^٤) "الثقات" لابن حبان (٨/ ٤١٢). (^٥) "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٥٨٦) تحقيق نور الدين عتر. (^٦) "طبقات المدلسين" (ص ٣٤). (^٧) "التاريخ الكبير" (٦/ ١٣٠). (^٨) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص ٤٥٧). (^٩) "المختلطين" للعلائي (ص ٧٤). بخلاف من سمع منه قبل ذلك، إذ قال الإمام أحمد أيضا: "أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر" (١). وأما التدليس: فيذكر فيه تتمة كلام ابن حجر نفسه، فقد قال: "وقد نسبه بعضهم إلى التدليس، وقد جاء عن عبد الرزاق التبري من التدليس، قال: "حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة فقلت: يا رب ما لي؟! أكذب أنا؟! أمدلس أنا؟! أبقية بن الوليد أنا؟! فرجعت إلى البيت فجاءوني". ويحتمل أن يكون نفي الإكثار من التدليس بقرينة ذِكرِهِ بقِيَّةَ" (٢). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد ذكره الحافظ في الطبقة الثانية وهي: "من احتمل الأئمةُ تدليسَه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى" (٢). وأما اتهامه بالكذب: فقد قال الذهبي - في الرد على العباس بن عبد العظيم في اتهام عبد الرزاق به -: "بل والله ما برَّ عباس في يمينه، ولبئس ما قال، يعمد إلى شيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومن احتج به كلُّ أرباب الصحاح - وإن كان له أوهام مغمورة وغيره أبرع في الحديث منه - فيرميه بالكذب، ويُقدِّم عليه الواقديَّ الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارق للإجماع بيقين" (٣). وذكر ابن حجر أن رميه بالكذب مردود على قائله (٤). وخلاصة الأمر: أن الإمام عبد الرزاق بن همام أحد الحفاظ الأثبات، أجمع الأئمة على توثيقه ما عدا العباس بن عبد العظيم وغيره، الذين لا يعتد بقولهم فيه، لخرقهم إجماع النقاد على توثيقه، حيث أجمع عليه أرباب الصحاح وغيرهم من كبار المحدثين، وإنما انتُقِد عليه (^١) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص ٤٥٧). (^٢) "طبقات المدلسين" (ص ٣٤). (^٣) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧١، ٥٧٢). (^٤) "تهذيب التهذيب" (٦/ ٣١٥). بعضُ أحاديث استنكرت عليه، ومن حدث عنه قبل المائتين فحديثه صحيح، ومن حدث عنه بعدما كف بصره واختلط فحديثه فيه نظر. الوظائف التي تقلدها الإمام عبد الرزاق: لم نقف على تولي الإمام عبد الرزاق لمنصب من المناصب، لا القضاء ولا غيره، لكن ذكر مغلطاي عن إسحاق الدبري أن عبد الرزاق بعث إليه والي صنعاء ليحمله إلى المأمون؛ لتولي القضاء، فأبى ﵀ (١). مؤلفات الإمام عبد الرزاق وآثاره: يعد الإمام عبد الرزاق من أوائل السابقين في أمر التصنيف (٢)، وقد عُرِفَ بمصنفاته؛ قال ابن حبان: "وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر" (٣)، وقال الذهبي: "عبد الرزاق بن همام العلامة الحافظ أبو بكر الصنعاني صاحب المصنفات" (٤)، وقال أيضًا: "عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ الكبير أبو بكر الحميري مولاهم الصنعاني صاحب التصانيف" (٥)، وقال اليافعي: "الحافظ العلامة المرتحل إليه من الآفاق، الشيخ الإمام عبد الرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري صاحب المصنفات" (٦)، وقال الحافظ ابن حجر: "حافظ مصنف" (٧). وفيما يلي جملة ما وقفنا عليه مما ذُكر أنه من مصنفات الإمام عبد الرزاق: ١ - المصنَّف: سيأتي الكلام عليه مفصلًا. (^١) "إكمال تهذيب الكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٦٩). (^٢) ينظر: "المحدث الفاصل" للرامهرمزي (ص ٦٥٠)، و"الجامع لأخلاق الراوي" للخطيب البغدادي (٢/ ٢٨١)، و"كشف الظنون" (١/ ٣٤). (^٣) "الثقات" (٨/ ٤١٢). (^٤) "العبر في خبر من غبر" (١/ ٢٨٣). (^٥) "تذكرة الحفاظ" (١/ ٣٦٤). (^٦) "مرآة الجنان" (٢/ ٤٠). (^٧) "تقريب التهذيب" (ص ٦٠٧). ٢ - الجامع: من الأمور التي لوحظت في حديث العلماء عن آثار الإمام عبد الرزاق - هو وجود كتاب له باسم "الجامع"، غير أن هذا الاسم "الجامع" ارتبط باثنين من آثار عبد الرزاق: الأول: هو كتابه المصنف الكبير الذي جمع فيه الكثير من روايته عن معمر، وسيأتي الكلام عليه، فعُدَّ "الجامع" و"المصنف" كتابًا واحدًا، إلا أن بعض المتأخرين صرح بوجود كتابين لعبد الرزاق يحمل أحدهما اسم "المصنف" ويحمل الآخر اسم "الجامع"، فيقول الكتاني في حديثه عن الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية: "ومصنف أبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني المتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين، وهو أصغر من مصنف ابن أبي شيبة، رتبه أيضًا على الكتب والأبواب" (١)، ثم قال: "وجامع عبد الرزاق سوى المصنف، وهو كتاب شهير وجامع كبير، خرج أكثر أحاديثه الشيخان والأربعة" (٢)، ولا ندري إلامَ استند في تلك التفرقة؟ أما الثاني: فهو الجامع الموجود في آخر المصنف، والذي تتنارع نسبته بين معمر بن راشد وعبد الرزاق، ونال جانبًا من اهتمام الباحثين في هذا الشأن، وسيأتي الحديث عنه. ٣ - التفسير: وهو من أهم الآثار التي تنسب لعبد الرزاق ولا التباس في نسبته له، ذكره ابن خير الإشبيلي (٣)، وابن حجر (٤)، وحاجي خليفة (٥)، والروداني (٦)، والكتاني (٧)، وقد تكلم عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في جملة من التفاسير (٨)، وقد طُبع (٩). (^١) "الرسالة المستطرفة" (ص ٤٠). (^٢) "الرسالة المستطرفة" (ص ٤١). (^٣) "فهرسة ابن خير" (ص ١٠٩). (^٤) "المعجم المفهرس" (ص ١٠٧). (^٥) "كشف الظنون" (١/ ٤٥٢). (^٦) "صلة الخلف" (ص ١٧٢). (^٧) "الرسالة المستطرفة" (ص ٧٦). (^٨) ينظر: "درء تعارض العقل والنقل" (٢/ ٢٢). (^٩) طبعته دار الرشد للنشر والتوزيع - الرياض، بتحقيق: د. مصطفئ مسلم محمد، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ/١٩٨٩ م. ٤ - الأمالي، أو الأمالي في آثار الصحابة: هذا الكتاب عزاه إلى الإمام عبد الرزاق الحافظ ابن حجر (١)، وذكر روايته لجزأين منه وهما الثاني والرابع، وعزاه إليه الروداني (٢) أيضًا، وعزا إليه السيوطي (٣)، وقد طُبع بعضه بالقاهرة (٤). ٥ - المغازي: ذكره ابن النديم في "الفهرست" (٥)، وأبو سعد السمعاني (٦)، وابن خير (٧)، وابن ناصر الدين الدمشقي (٨)، وقد ذكر السخاويُّ الإمامَ عبدَ الرزاق فيمن جمع المغازي كموسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي (٩)، وعَدَّ عمر رضا كحالة كتاب "المغازي" في جملة كتب عبد الرزاق (١٠)، وعند ابن خير (١١) ما يفيد أنه من جملة "المصنف". قال ابن ناصر الدين الدمشقي: "حدث أبو عبد الله محمد بن الحسين الأصبهاني هذا بكتاب المغازي لعبد الرزاق بن همام، وبكتاب الصلاة له أيضًا عن النقوي هذا - واسمه محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم - بسماعه لهما من الدبري عن عبد الرزاق، روى عنه كتاب المغازي أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكاك التميمي (^١) "المعجم الفهرس" (ص ٣١٩). (^٢) "صلة الخلف" (ص ٩٨). (^٣) "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٠١). (^٤) طبعته مكتبة القرآن - بولاق - القاهرة، بتحقيق مجدي السيد إبراهيم، دون تاريخ، وذكر المحقق (ص ١٨) أن النسخ الخطية التي اعتمد عليها تمثل الجزء الثاني. (^٥) "الفهرست" (ص ٢٧٩). (^٦) "التحبير في المعجم الكبير" (١/ ١٨٣)، وينظر: "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" (١/ ٥٨٨، ١٣٠٤). (^٧) "فهرسة ابن خير" (ص ١٢٩، ٢٣٦). (^٨) "توضيح المشتبه" (٥/ ٢٣٤). (^٩) "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ" (ص ١٤٦). (^١٠) "معجم المؤلفين" (٥/ ٢١٩). (^١١) "فهرسة ابن خير" (ص ١٢٩). المكي، وروى عنه بعض كتاب الصلاة أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الأنباري الخطيب" (١). وقد كُتب على غلاف الجزء الموجود من نسخة المكتبة الظاهرية لـ"المصنَّف" بخط يُشبه خط ناسخها: "الأول من كتاب الصلاة لعبد الرزاق بن همام رواية إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري عنه. رواه عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله النقوي - محمدُ بن الحسين بن يوسف الأصبهاني ثم الصنعاني" (٢). وما هو - في الحقيقة - إلا جزء من كتاب الطهارة من "المصنف" لعبد الرزاق. ٧ - تاريخ الإمام عبد الرزاق: قال الجعدي في حديثه عن الإمام عبد الرزاق: "وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل تاريخه" (٣). ٨ - السنن في الفقه: ذكره ابن النديم في "الفهرست" (٤)، وإسماعيل البغدادي (٥)، وقال الصفدي: "وصنف عبد الرزاق التفسير والسنن وغير ذلك" (٦). ولعل المقصود به المصنَّف؛ لتشابه الموضوعات. ٩ - اختلاف الناس في الفقه: ذكره الخشني في "طبقات علماء إفريقية" في سياق حديثه عن محمد بن أبي منظور، وهو ممن له سماع من الدبري (٧). (^١) "توضيح المشتبه" (٥/ ٢٣٤). (^٢) ينظر: وصف النسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في ضبط وتحقيق "المصنف". (^٣) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٦٨). (^٤) "الفهرست" (ص ٢٧٩). (^٥) "هدية العارفين" (١/ ٥٦٦). (^٦) "نكت الهميان" (ص ١٧٣). (^٧) "طبقات علماء القيروان" للخشني (ص ١٧٣). ١٠ - المسند: قال القزويني: "ثابت بن محمد بن علي بن ثابت الثابتي سبط الحافظ أبي القاسم على بن ثابت البغدادي، سمع مسند عبد الرزاق من أبي عبد الله القطان" (١)، وقال ابن كثير في حديثه عن الإمام عبد الرزاق: "صاحب المصنف والمسند" (٢). وعبارة القزويني وإن كانت تحتمل أن المراد بالمسند "المصنف"، لكن عبارة ابن كثير فيها التفريق بينهما. هذا، وقد نَسب إسماعيل البغدادي (٣) وكحالة (٤) له كتابًا بعنوان: "تزكية الأرواح عن موانع الإفلاح". ولعله وهمٌ؛ ففي "كشف الظنون": "تزكية الأرواح عن موانع الإفلاح … لم أقف على مؤلفها" (٥)، وفي فهرس معهد المخطوطات العربية: "تزكية الأرواح عن موانع الإفلاح، تأليف عبد الرزاق الكاشي كمال الدين" (٦). ومما يؤكد ذلك أن هذا العنوان لا يشبه طريقة المتقدمين من العلماء في تسمية الكتب. وفاة الإمام عبد الرزاق: أخرج الخطيب عن سلمة بن شبيب - وهو من تلاميذ عبد الرزاق - قال: "مات عبد الرزاق سنة إحدى عشرة ومائتين" (٧)، وقال أبو يعقوب الفسوي: "سنة إحدى (^١) "التدوين" (٢/ ٣٧١). (^٢) "البداية والنهاية" (١٤/ ١٨٢). (^٣) "إيضاح المكنون" (١/ ٢٨٥)، و"هدية العارفين" (١/ ٥٦٦). (^٤) "معجم المؤلفين" (٥/ ٢١٩). (^٥) "كشف الظنون" (١/ ٤٠٢). (^٦) "فهرس المخطوطات المصورة - معهد المخطوطات العربية" لفؤاد سيد (١/ ١٥٢). (^٧) "السابق واللاحق" للخطيب البغدادي (ص ٥٩). عشرة ومائتين مات فيها عبد الرزاق بن همام أبو بكر" (١)، وكذا قال ابن سعد، فقد ذكر أنه مات باليمن في النصف من شوال سنة إحدى عشرة ومائتين (٢)، وكذا وقع عند ابن خلكان (٣). وشذَّ عن هذا التاريخ ابن سمرة الجعدي، فقد ذكر أن وفاته كانت في سنة اثنتي عشرة ومائتين (٤). (^١) "المعرفة والتاريخ" (١/ ١٩٧). (^٢) "الطبقات الكبرى" (٥/ ٥٤٨). (^٣) "وفيات الأعيان" (٣/ ٢١٧). (^٤) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٦٨).