Translation coming soon إن شاء الله
عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ، وَظَهَرَ الْإِيمَانُ، فَتَحَدَّثَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ بِمَنْ آمَنَ مِنْ قَبَائِلِهِمْ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَسْتَحْيُونَهُمْ، وَأَرَادُوا فِتْنَتَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ:"تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ"، قَالُوا: فَأَيْنَ نَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:"هَاهُنَا"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَتْ أَحَبَّ الْأَرْضِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُهَاجَرُ قِبَلَهَا، فَهَاجَرَ نَاسٌ ذَوُو عَدَدٍ مِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ حَتَّى قَدِمُوا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَخَرَجَ فِي الْهِجْرَةِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِامْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵀ بِامْرَأَتِهِ رُقَيَّةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَخَرَجَ فِيهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِامْرَأَتِهِ أُمَيْمَةَ ابْنَةِ خَلَفٍ 4، وَخَرَجَ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ بِامْرَأَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجُوا بِنِسَائِهِمْ، فَوُلِدَ بِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَوُلِدَتْ بِهَا أَمَةُ ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ أُمُّ عَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ، وَخَالِدِ بْنِ الزبَيْرِ، وَوُلِدَ بِهَا الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبِ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ وُلِدُوا بِهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً 1، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - مُهَاجِرًا قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ 2، فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: مِثْلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ 3، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ 4، وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَلَا يُخْرَجُ مِثْلُهُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَأَمَّنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلْيُصَلِّ فِيهَا مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَبَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ فَيَتَقَصَّفُ 5 عَليْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُون مِنْهُ وَيَنْظرُونَ إِليْهِ، وَكَانَ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ اللهَ فِي دَارِهِ، وإِنَّهُ قَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ وَبَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءَ دَارِهِ وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَأْتِهِ، فَأْمُرْهُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ اللهَ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وإن أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا خَفَرَكَ وَلَسْنَا 1 مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ بِالاِسْتِعْلَانِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ إِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تُرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي عَهْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْمُسْلِمِينَ:"إِنِّي قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، إِنِّي أُرِيتُ دَارًا سَبْخَةً 2 ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْن، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ 3"، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَلِكَ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - مُهَاجِرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:"عَلَى رِسْلِكَ 4 فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَرْجُو ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِصُحْبَتِهِ وَعَلَفَ أَبُو بَكْرٍ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ 5 أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسًا فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ 1، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا رَأْسَهُ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًى لَهُ أَبِي وَأُمِّي إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاستَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ… فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:"فَإِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَالصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:"نَعَمْ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:"بِالثَّمَنِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ فَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً 2 فِي جِرَابٍ 3، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ نِطَاقِهَا 4 فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ 5، فَمَكَثَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
(*) [٣/ ٧٨ أ].
(*) [٣/ ٧٨ ب].
- قوله: "وعثمان بن عفان ﵀ بامرأته رقية ابنة رسول الله - ﷺ -، وخرج فيها خالد بن سعيد بن العاص بامرأته أميمة ابنة خلف" قلب في الأصل إلى: "وعثمان بن عفان ﵀ بامرأته أميمة ابنة خلف، وخرج فيها خالد بن سعيد بن العاص بامرأته رقية ابنة رسول الله - ﷺ - " وهو خطأ، والصواب المثبت كما في "الدرر في اختصار المغازي والسير" لابن عبد البر (ص ٤٨) من حديث الدبري عن عبد الرزاق، به.
- العشي والعشية: آخر النهار، ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها، وقيل: من زوال الشمس إلى الصباح. (انظر: اللسان، مادة: عشا).
- القارة: قبيلة من بني الهون بن خزيمة، سُموا قارة؛ لاجتماعهم والتفافهم، ويوصفون بالرمي. (انظر: النهاية، مادة: قور).
- المعدوم والمعدم والعديم: الفقير شديد الحاجة الذي لا شيء عنده. (انظر: النهاية، مادة: عدم).
- الكل: الثقل من كل ما يتكلف. وقيل: العيال. (انظر: النهاية، مادة: كلل).
- تقصف عليه القوم: يعني: ازدحموا عليه. (انظر: النهاية، مادة: قصف).
- "لسنا": ليس في الأصل، واستدركناه من "المسند" لابن راهويه (٨٤٦) من حديث عبد الرزاق، به.
- السبخة: الأرض التي تعلوها المُلوحة ولا تكاد تُنبت إلا بعض الشجر، والجمع: سباخ. (انظر: النهاية، مادة: سبخ).
- الحرتان: مثنى حرة، وهي: أرض ذات حجارة سود، وهما حرتان، الشرقية شرق المدينة وتسمى واقم، والغربية في غرب المدينة وتسمى حرة الويرة. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٩٨).
- الرِّسْل: الهِينة والتأنّي. (انظر: النهاية، مادة: رسل).
- السمر: جمع سَمُرة، وهو نوع من شجر الطلح (الموز)، ويجمع أيضًا على أسمر، وسمرات. (انظر: النهاية، مادة: سمر).
- نحر الظهيرة: حين تبلغ الشمسُ مُنتهاها من الارتفاع، كأنها وصَلَت إلى النحر، وهو أعلى الصَّدْر. (انظر: النهاية، مادة: نحر).
- السفرة: طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به. (انظر: النهاية، مادة: سفر).
- الجراب: وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه، والجمع: جرب وأجربة. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: جرب).
- النطاق والمنطق والمنطقة: ما يشد به أوساط الناس، وما تشد المرأة به وسطها لترفع وسط ثوبها عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها. (انظر: النهاية، مادة: نطق).
- ثور: جبل ضخم يقع جنوب مكة، يُرى من عمرة التنعيم، فيه من الشمال غار ثور المشهور. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٨٤).