Translation coming soon إن شاء الله
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ (١)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحِمْصَ، وَكَانَ جَارًا لِي شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الْفَنَدَ أَوْ قَرُبَ، فَقُلْتُ أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَبُوكَ فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَعَا قِسِّيسِي الرُّومِ، وَبَطَارِقَتَهَا، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمْ بَابًا (٢)، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ، وَاللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَءُونَ مِنَ الْكُتُبِ، لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَهَلُمَّ نَتَّبِعْهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ وَقَالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ (٣) النَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرُّومَ رَفَأَهُمْ وَلَمْ يَكَدْ، وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرَبِيَّ اللِّسَانِ، أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالَ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا ضَيَّعْتُ مِنْ حَدِيثِهِ، فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ الَّتِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ، وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ، وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ هَلْ بِهِ شَيْءٌ يَرِيبُكَ؟ فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا عَلَى الْمَاءِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟ قِيلَ: هَا هُوَ ذَا، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ كِتَابِي، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مِمَّنْ أَنْتَ؟ " فَقُلْتُ: أَنَا أَحَدُ تَنُوخَ، قَالَ: " هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ، وَعَلَى دِينِ قَوْمٍ لَا أَرْجِعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، فَضَحِكَ وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ " يَا أَخَا تَنُوخَ، إِنِّي كَتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَهُ، وَاللهُ مُمَزِّقُهُ، وَمُمَزِّقٌ مُلْكَهُ، وَكَتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِصَحِيفَةٍ، فَخَرَقَهَا وَاللهُ مُخْرِقُهُ، وَمُخْرِقٌ مُلْكَهُ، (٤) وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ، فَأَمْسَكَهَا فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجِدُونَ مِنْهُ بَأْسًا مَا دَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ "، قُلْتُ: هَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي، وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِي فَكَتَبْتُهَا فِي جِلْدِ سَيْفِي، ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الَّذِي يُقْرَأُ لَكُمْ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " سُبْحَانَ اللهِ، أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ " قَالَ: فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِي فَكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي، فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي، قَالَ: " إِنَّ لَكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ رَسُولٌ، فَلَوْ وُجِدَتْ عِنْدَنَا جَائِزَةٌ (٥) جَوَّزْنَاكَ بِهَا، إِنَّا سَفْرٌ مُرْمِلُونَ " قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ، قَالَ: أَنَا أُجَوِّزُهُ، فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُورِيَّةٍ، فَوَضَعَهَا فِي حِجْرِي، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ؟ قِيلَ لِي: عُثْمَانُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ؟ " فَقَالَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقُمْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ، نَادَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: " تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخَ " فَأَقْبَلْتُ: أَهْوِي إِلَيْهِ، حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الَّذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: " هَاهُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ " فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي مَوْضِعِ غُضُونِ (٦) الْكَتِفِ مِثْلِ الْحَجْمَةِ الضَّخْمَةِ (٧) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- وقع في النسخ الخطية و(م): سليمان بدل سليم، وهو خطأ، صوَّبناه من "أطراف المسند" ٨/٢٧٧، وجاء على الصواب في مصادر التخريج.
- في "غاية المقصد" ورقة ٢٨٥: الدار.
- في (ص) و(ظ ١٢): نذر.
- من قوله: بصحيفة إلى هنا لم يرد في (ق) .
- ضبطت في (ظ ١٢) و(ص): فلو وجدت عندنا جائزةً.
- في "غاية المقصد" ورقة ٢٨٥ و"مجمع الزوائد": غضروف، وسيأتي في "المسند" ٤/٧٤-٧٥. بهذا اللفظ. وغضروف الكتف: رأس لوجه.
- حديث غريب، وإسناده ضعيف، لجهالة سعيد بن أبي راشد، فلم يرو عنه غيرُ عبد الله بن عثمان بن خثيم، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وباقي رجاله عدا التنوخي رجال الصحيح، غير أن يحيى بن سُليم- وهو الطائفي القرشي- وابنَ خُثَيم فيهما كلام ينزلهما عن رتبة الصحيح. إسحاق بن عيسى: هو ابن نَجيح البغدادي ابن الطبَّاع، والتنوخي كان كافرًا حين لقي النبيَّ ﷺ، ويضربُ علماءُ الحديث هذا الحديث مثلًا للمرسل المتصل، وهو فيمن لقي في حال كفره رسول الله ﷺ وسمع منه شيئًا، ثم أسلم بعد وفاته، وحدث بما سمعه، فإنه مع كونه تابعيا محكومٌ لما سمعه بالاتصال لا الإرسال. وأخرجه مختصرًا أبو عبيد في "الأموال" (٦٢٥)، وحميد بن زنجويه في "الأموال" (٩٦١) عن إسحاق بن عيسى، بهذا الإسناد. وأخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ٣/٢٧٦-٢٧٧، ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" ١/٢٦٦ عن الحميدي، عن يحيى بن سُلَيم، به، مختصرًا أيضًا. وأورده ابن كثير في "البداية والنهاية" ٥/١٥-١٦ وعزاه إلى أحمد، ثم قال: هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به! تفرد به الإمام أحمد. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/٢٣٤-٢٣٦، وقال: رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك. قلنا: رواية عبد الله بن أحمد ستأتي ٤/٧٤-٧٥ و٧٥. وفات الهيثمي نسبته إلى الإمام أحمد. قال السندي: قوله: "قد بلغ الفَنَد" بفتحتين، أي: ضعف الرأي من الكِبَر. "فبعث دحية": ظاهره أنه بعث من تبوك، والمعروف أنه كان آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، وغزوة تبوك كانت سنة تسع، فلعله أعاد ذلك مرة ثانية. "قِسِّيسي الروم" بكسر قافٍ وتشديد مهملة، جمع قِسِّيس: وهو العالم في لغة الرومٍ. "وبَطَارقتها" بفتحتين، جمع بِطْريق، بكسر الباء، كالتلامذة جمع تِلميذ، وهم خواص الدولة. "أن أتبعه" من تبع أو اتبع، بتشديد التاء. "مالنا"، أي: لأُمرائنا من الخراج. "ليأخذن "، أي: يملك الموضع الذي أنا جالس فيه. "نتَّبِعْه " بالجزم على أنه جواب هلُمَّ، فإنه أمر معنى. "فنخروا" كضَرَبَ أو نصر، والنَّخْرُ: مدّ الصوت في الخياشيم. "برانسهم": ثيابهم المعلومة. "رفَّأَهُم" بتشديد الفاء بعدها همزة، في "القاموس" رفأ الرجل: سكّنه، وقيل: قال لهم: بارك الله فيكم، والرفاء: النماء والبركة. "ولم يكد" أي: لم يكد يرفئهم لشدة شكيمتهم. "من عرب تُجيب" ضبط بضم تاءٍِ وكسر جيم. "فما ضيعتَ": "ما": شرطية، أي: أيّ شيءٍِ ضيَّعت فلا تضيّع هذه الخصال الثلاث. "الحنيفية" أي: الملة الحنيفية. "فمزّقه" من التمزيق. "إلى النجاشي" غير الذي أسلم وصلى عليه النبي ﷺ. "خرَّقها" من التخريق. "فلن يزال" أي: يبقى ملكه، فكان كما قال. "جَعْبتي" بفتح الجيم المعجمة: وعاء السهام. "تدعوني" على الخطأ مع النبي ﷺ. "فأين النار" إذا كانت الجنة تستوعب المكان كله، فأين النار. "أين الليل" يحتمل أنه إشارة إلى أن الجنة فوق النار، كما أن النهار طلع فوق الليل، فاستتر الليل به، فإذا فُرض أن الجنة تحت العرش فوق السماوات كلها، وأن سعتها سعة السماوات والأرض، وأن النار تحتها حيث شاء الله تعالى، فلا إشكال، أو إشارة إلى أنه تعالى قادر على أن يجمع الأجسام الكثيفة في مكان واحد، كما يجمع اللطيفة فيه كالأنوار والظلم، فانظر كيف يجتمع أنوار شموع متعددة في بيت واحد بلا مزاحمة بينها، مع أن نور كل واحدٍ منها يملأ البيت، فكما أن النور لا يُزاحم الهواء الذي في البيت، كذلك الأنوار لا يُزاحم بعضها بعضًا، فالقادرُ على ذلك يُمكن له أن يجمع بين الأجسام الكثيفة كما يجمع بين الأنوار والظلم ونحو ذلك، وبالجملة فهذا الحديثُ يدل على أن الليل أمر موجود يستتر عند طلوع النهار ويظهر عند غروبه، وهو الموافق لظاهر قوله تعالى: (وآية لهم الليل نَسْلَخُ منه النهارَ فإذا هم مظلمون) [يس: ٣٧]، والله تعالى أعلم. "مرملون": اسم فاعل من أرمل، إذا نَفِدَ زادُه، كأنه لَصِقَ بالرمل. "صَفّورية" بفتح صادٍ وتشديد فاء، بلدٌ بالأردن. "الذي كنت بين يديه" أي: كنت فيه بين يديه. "حبوته" بالضم أو بالكسر. "لِما أُمرتَ له" بالخطاب على بناء المفعول، وفيه معجزة له ﷺ. "فَجُلْتُ" بالجيم، من الجولان، كذا في أصلي، أي: نظرت، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة. "غُضون الكتِف" في "الصحاح": هي مكاسر الجلد. "مثل الحجمة" لعله بتقديم الجيم، بمعنى العين، والله أعلم. قلنا: الصواب: الحَجْمَةُ، بتقديم الحاء على الجيم كما في الأصول، وهي المرة من الحجامة، وسيأتي الحديث في "المسند" ٤/٧٤-٧٥ بلفظ "فرأيت غضروف كتفه مثلَ المِحْجَمِ الضَّخْمِ" شبه صورة خاتم النبوة الناتئ على كتفه ﷺ وعليه خيلان بصورة النتوء الضخم الذي يحصل إلصاق المحجمة - وهي القارورة- في ظهر المحجوم.