Translation coming soon إن شاء الله
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَانِ لَهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَأَخَذَ أَحَدَ الِابْنَيْنِ، فَتَحَاكَمَتَا (١) إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا فَدَعَاهُمَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: هَاتُوا السِّكِّينَ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، لَا تَشُقَّهُ، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَاللهِ إِنْ عَلِمْنَا مَا السِّكِّينُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ " (٢)
- هكذا في (ظ٣)، وفي (م) و(عس) و(ل) وبقية النسخ: فتحاكما.
- إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (١٧٢٠) (٢٠) من طريق شبابة بن سوار، عن ورقاء اليشكري، بهذا الِإسناد. وأخرجه البخاري (٣٤٢٧) (٦٧٦٩)، والنسائي في "المجتبى" ٨/٢٣٤-٢٣٥ و٢٣٦، والبيهقي ١٠/٢٦٨ من طريق شعيب بن أبي حمزة، ومسلم (١٧٢٠) (٢٠) من طريق موسى بن عقبة، كلاهما عن أبي الزناد، به. وأخرجه بنحوه النسائي في "الكبرى" (٥٩٥٧) من طريق عمران بن حدير، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة. وقد وقع في إسناده من المطبوع تحريفان يستدركان من هنا. وسيأتي برقم (٨٤٨٠) . وفي معنى الحديث نقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٦/٤٦٤ عن القرطبي أنه قال: الذي ينبغي أن يُقال (يعني في معنى الحديث): إن داود ﵇ قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها، إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يعين في الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال: وهذا تأويل حسن جارٍ على القواعد الشرعية، وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه، فإن قيل: كيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟ فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلةٍ لطيفةٍ أظهرت ما في نفس الأُمَّيْنِ، وفلك أنهما لما أخبرنا سليمان بالقصة، فدعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها: هو ابن الكبرى، لأنه علم أنها آثرت حياته، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى -مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالَّةِ على صدقها- ما هجم به على الحكم للصغرى. ويحتمل أن يكون سليمان ﵇ ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، أو تكون الكبرى في تلك الحالة اعترفت بالحق لما رأت من سليمان الجد والعزم في ذلك. ونظير هذه القصة ما لو حكم حاكم على مُدَّعِ مُنكِر بيمين، فلما مضى ليحلفه حضر من استخرج من المنكر ما اقتضى إقراره بما أراد أن يحلف على جحده، فإنه -والحالة هذه- يحكم عليه بإقراره، سواء كان ذلك قبل اليمين أو بعدها، ولا يكون ذلك من نقض الحكم الأول، ولكن من باب تبدُل الأحكام بتبدل الأسباب. وقال ابن الجوزي: استنبط سليمان لما رأى الأمر محتملَاَ فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد، لأنه لو كان داود حكم بالنص لما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه. ودلت هذه القصة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتعلق بكبر سن ولا صغره. وفيه أن الحق في جهة واحدة، وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإن كان وجود النص ممكنًا لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أجورهم، ولعصمتهم من الخطأ في ذلك، إذ لا يقرون -لعصمتهم- على الباطل. وقال النووي: إن سليمان فعل ذلك تحيُّلًا على إظهار الحق، فكان كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه. وفيه استعمال الحيل في الأحكام لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة وممارسة الأحوال.